تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
الحقيقة الإيمانية التي تؤكدها الآية ، فالإنسان مخلوق للّه وحده ، فهو لم يخلق نفسه ، ولم يخلقه أحد من المخلوقات الأخرى ، وإذا كان اللّه هو الخالق له ، فمن الطبيعي أن يكون مطّلعا على كل شيء في داخله ، حتى الهمسات الروحية ، والوسوسات الفكرية ، والنبضات الشعورية ، والخطورات الخيالية ، فهو مكشوف للّه بكل ما يتحرك في الفكر والشعور والخيال ، فلا يملك الإنسان أن يحمي نفسه من علم اللّه بما في نفسه ، وبالتالي فإنه لا يستطيع الدفاع عن انحرافه بما قد يتعلل به من عدم القناعة في القضايا المثارة أمامه .
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وهو عرق متفرّق في البدن فيه مجاري الدم ، كما قيل ، أو هو العرق الذي في الحلق ، كما قيل ، وهو تعبير كنائي عن القرب الإلهي من الإنسان بالمستوى الذي لا يدنو فيه إليه أقرب أعضائه الممتزج بمجاري دمه ، مما يجعل معرفة اللّه بالإنسان في داخله الفكري والشعوري ، أمرا في الدرجة العليا من الوضوح . وربما كانت المسألة تطل في الإيحاء التعبيري على الآية التي تتحدث عن
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[ الأنفال : 24 ] ، وهو نوع من التخييل الغني الذي يثير في الوعي الإنساني الشعور بالهيمنة الإلهية على مجاري فكره ، كما هي الهيمنة التي تنفذ إلى ما هو أقرب إليه من مجاري دمه .

الملكان الحافظان لأعمال الإنسان

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ
وهما الملكان اللذان يحفظان أعمال الإنسان وأقواله ويتلقيانها من خلال ما يملكانه من وسائل ،
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
أي هناك ملك قاعد عن يمينه وملك قاعد عن شماله ، كناية عن الاستقرار والإحاطة . وهكذا يخضع الإنسان إلى رقابة ملائكية من قبل اللّه بالإضافة إلى الرقابة الإلهية المباشرة ، ويقال : إن اليمين والشمال كناية عن جانبي الخير والشر اللذين
من وحي القرآن — صفحة 179 | السيد محمد حسين فضل الله