تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
هنا وثغرة هناك ، ولتمنح المستضعفين قوّة من خلال إيجاد القيادة القوية الصالحة ، وتهيئة الظروف الموضوعية الملائمة ، وتحريك الأوضاع الجامدة ، من أجل أن ينطلق المستضعفون لبناء قوتهم ، واسترجاع حريتهم ، وملكية قرارهم من جديد ، بما يمن اللّه به على عباده لتحقيق التوازن في حركة الإنسان في الأرض ، حتى لا يأخذ الظلم حريته في الثبات والامتداد ، ولا تبقى الحياة على نهج واحد من الباطل والضلال ، بل تخضع لعوامل التغيير التي تعطي الإنسان حيويته في الفكر والحركة ، وتمنحه الأمل الكبير في إمكانات التغيير عند محاصرة الضغوط له ، لئلا ينسحق في روحه تحت تأثير القوى الضاغطة الساحقة . وعلى ضوء هذا ، فإن اللّه لا يتدخل في الأمور عندما يمنّ على عباده المستضعفين بالطرق الغيبية دائما من حيث الأساس ، ولكنه يحرك الأسباب التي تؤدي إلى ذلك ، ويمنحها بعض وسائل الغيب في ما تحتاج إليه منه في بعض الحالات ، وقد جعل اللّه هذا سنّة له في حركة الحياة في نتائجها العملية على أساس الأسباب والمسببات . فلا يحسبنّ أحد ، أنّ وعد اللّه بشيء ، يحمل في داخله تدخّلا إلهيّا مباشرا يحقق للناس ما يحبّونه وهم جالسون في بيوتهم في استرخاء ، بل لا بدّ لهم من الأخذ بالأسباب في الوصول إلى ما يريدون . وهكذا يتحرك المستضعفون الذين يمنّ اللّه عليهم في ما وعدهم بقوله :
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
للأرض بما يرسلهم برسالاته ليكونوا أنبياء أو أوصياء أو قادة في حكم الناس وإدارة شؤونهم وتنظيم حياتهم
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
الذين يرثون الأرض ، إذ يريد اللّه أن يجعلهم خلفاء ويمكنهم منها ويجعلها تحت سلطانهم ، ليعرفوا من خلال ذلك أن الضعف ليس قضاء اللّه وقدره الذي لا يتغير ولا يتبدل ، بل هو حالة طارئة خاضعة لأسبابها مما يمكن أن يتحول إلى قوّة عندما تتغير الظروف وتتبدل الأسباب ، بإرادة اللّه ، بشكل غير اختياري للإنسان ، أو بإرادة الإنسان ، بما مكّنه اللّه من عناصر القوّة ، ليعيشوا الفكرة
من وحي القرآن — صفحة 264 | السيد محمد حسين فضل الله