المحيطة بكم ، وأن لكم أبصارا تشاهدون فيها كل المناظر التي تحيط بكم ، وأن لكم عقولا تطوف بكل مفردات المعرفة التي تمتلئ بها حياتكم الباحثة أبدا عن الفكر والحق والإبداع ؟ هل هناك معنى للحياة دون هذه الطاقات التي تتعاون في الوصول إلى هدى الوعي الذي يحرّك حياة الإنسان في الاتجاه السليم ؟ فبالبصر والسمع يلتقط الكائن الحيّ كل المسموعات والمبصرات وكل ما يتحسسه الإنسان من خلال تجربته الذاتية ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، عبر ما ينقل إليه من تجارب الآخرين . وبالعقل ينظم كل التجارب الحسية التي يعيشها ويحولها إلى نظم عقلية وملاحظات ، مما يفتح للإنسان كثيرا من أبواب الخير والهدى والنجاة .
فهل تتصورن الحياة دون سمع ؟ وكيف تستطيعون التعويض في المعرفة عمّا ينقله إليكم السمع ؟ وكيف يكون الوجود الإنساني أعمى بحيث يفقد كل تجارب البصر التي تهديه إلى مواقع المعرفة ومنابع النور ؟ وما قيمة السمع والبصر وكل الحواس الأخرى في جسد الإنسان ، إذا لم يكن هناك عقل ينظّم لها كيف تواجه الحياة من موقع النور والقوّة والاستقامة ؟
إنها النعم التي ترتفع بالإنسان ، عندما تجتمع له ، إلى الآفاق التي تربطه بالقضايا الكبرى ، وكليات الحقائق ، وقوانين الوجود ، وقواعد المعرفة ، وتقوده من خلال عمق العلم ورحابته إلى أن يكون القوّة التي تقود الحياة وتوجّهها في الاتجاه الصحيح ، فهل تشكرونها ، وهل تعرفون أن الشكر في هذا المجال ليس كلمة تقولونها ، وليس التفاتة عرفان بالجميل تتمثلونها أو تعبرون عنها بابتسامة ، أو انحناءة ، أو هدية أو ما إلى ذلك ، مما اعتاد الناس أن يعبروا به عن شكرهم للجميل ؟ ! بل هو حالة وجدانية تهزّ الكيان اعترافا بالخضوع العميق للخالق الذي أبدع وأعطى ودبّر ، وموقف طاعة دقيقة شاملة لكل أوامره ونواهيه ، تعبيرا عن خضوع المخلوق للخالق في وعيه لسرّ العبودية في ذاته للإله الذي خلقه ، إنه شكر الوجود الإنساني الحيّ المتحرك
من وحي القرآن — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص١٨٠