تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
العقيدة ، لأن التفكير بالمثل المضروب هنا مسؤولية هامة يتحدد على أساسها الموقف من الحقائق التي يكشفها ، فاللّامبالاة في مثل هذه الأمور قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك الدائم على مستوى العقيدة وخط السير .
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
. تجسد هذه الآية الكريمة ، عجز آلهة الكافرين المطلق أمام أصغر مخلوقات اللّه وأحقرها ، في صورة رائعة ، تسخر من فكرة ألوهية هؤلاء الذين يعبدونهم من دون اللّه . وأيّ صورة أبلغ من تلك التي تضع الآلهة - بكل ما توحيه صفة الألوهية من قوّة - في مشهدين ، أحدهما : اجتماعها على خلق ذبابة واحدة وعجزها عن ذلك ، بالرغم مما تبذله من جهد في هذا السبيل ، وثانيهما : مشهد الذباب ، في كل ما يجسّده هذا المخلوق الصغير من معاني الضعف والصغر والحقارة ، من حيث الحجم والقدرة الجسمية ، وقد اندفع إلى هؤلاء الآلهة الكبار ، ليسلبهم شيئا ، أي شيء ، فإذا بالآلهة يركضون خلفه ، ويلهثون لاسترجاع ما أخذه ولاستنقاذ ما سلبهم إياه ، فلا يسترجعونه منه ، ولا يستنقذونه من براثنه - إن كان للذباب براثن - ؟ ! إنه أسلوب يجرّد هؤلاء من صفات الألوهية من جهة ، ويعرّضهم للسخرية والاستهزاء من جهة أخرى ، ويؤثر على موقف هؤلاء الذين اعتقدوا بهم وعبدوهم من دون اللّه ، عندما يجدون أنفسهم في حالة لا يحسدون عليها ، لأنها لا ترتكز على أساس ، ولا توحي بالاحترام إن لم توح بخلافه . إنه الضعف المتبادل بين الطالب والمطلوب ، إذ يعيش كل واحد منهما نقطة ضعف تختلف في طبيعتها عن نقطة ضعف الآخر ، فإذا كان أحدهما قويا في جسده ، فقد يكون ضعيفا في حركته ، وإذا كان الآخر ضعيفا في جسمه ، فإنه يملك القوّة في سرعة حركته .
من وحي القرآن — صفحة 120 | السيد محمد حسين فضل الله