تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ويتعلّق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته ، فلا يريد إلا وجهه ولا يحب إلا قربه ، ولا يخاف إلا سخطه وبعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة لا يدبّر أمرها إلا ربّه الغفور الودود ولا يواجهها في طول مسيرها إلا الحسن الجميل ، فقد أحسن كل شيء خلقه ، ولا قبيح إلا ما قبحه اللَّه من معصيته . فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزة واللذة والسرور ما لا يقدّر بقدر ، وكيف لا ، وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها ولا كدورة تكدرها ، وخير وسعادة لا شقاء معها » « 1 » . وهذا تفسير جميل ، وتحليل جيد للمعاني الروحية التي يختزنها الإيمان في نفس المؤمن العامل بالصالحات ويثيرها في مشاعره وأجوائه ، ولكن المسألة هي التقاء هذا التحليل مع سياق الآية التي وردت لبيان الجزاء الذي يمنحه اللَّه للإنسان الذي يعمل الصالحات وهو مؤمن ، مما يوحي بأن هذه الحياة التي يمنحها اللَّه له مفصولة عن الواقع الذي يعيشه الآن ، وليست حالة وجدانية أو عملية في دائرته . وقد نلاحظ أن ما ذكره هذان المفسران الجليلان وغيرهما ، هو من آثار الإيمان ، بينما تعتبر الآية أن الحياة الطيبة جزاء العمل الذي ينطلق من الإنسان المؤمن ، واللَّه العالم ، ولعل الأقرب ، هو أن يكون المراد منها الدار الآخرة ، أو الجنة ، أو ما أشبه ذلك .
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
وقد تقدم الحديث عما يماثل تفسير هذه الفقرة في الآية السابقة . وقد يخطر بالبال أن المراد بالأحسن ليس ما يقابل الحسن ، بل ما يقابل السيئ ، وذلك في ما نلاحظه دائما في مجال الحديث عن الثواب والعقاب ، في الحديث عن الحسنة في مقابل السيئة ، مما يوحي بأن المراد من الأحسن ، هو الحسنة ، كما قد نلاحظ
هامش
( 1 ) م . س . ، ج : 12 ، ص : 342 .