المشاكل والصعوبات المادية والمعنوية التي تجعل من الحياة سجنا للمؤمن في مقابل الرفاهية والنعيم والغنى والقوّة التي يعيشها الكافر لتكون الدنيا جنّة له ؟
على ما ورد : « إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » .
ذكر بعضهم أن المقصود بالحياة ليست هي الحياة المادية التي يعيشها الإنسان بموازين الحس والغريزة ، بل هي الحياة الروحية المعنوية ، ففي الحياة أشياء كثيرة غير المال تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها الاتصال باللَّه والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الحياة . . . وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللَّه « 1 » .
ويؤكد صاحب الميزان هذا المعنى ، بطريقة أخرى فيقول : « الجملة بلفظها دالة على أن اللَّه سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامة ، وليس المراد به تغيير صفة الحياة فيه وتبديل الخبيثة من الطيبة مع بقاء أصل الحياة على ما كانت عليه ، ولو كان كذلك لقيل : فلنطيبن حياته . فالآية نظير قوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] وتفيد ما يفيده من تكوين حياة ابتدائية جديدة » « 2 » . ويرى أن اللَّه يعطيه من العلم والقدرة ما ليس لغيره وهما « يمهدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها فيقسّمها قسمين : حق باق ، وباطل فإن ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارّة الفتّانة ويعتز بعزة اللَّه ، فلا يستذله الشيطان بوساوسه ولا النفس بأهوائها وهوساتها ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها .
هامش
( 1 ) قطب ، سيّد ، في ظلال القرآن ، ج : 4 ، ص : 193 .
( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 341 ، 342 .