تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ومنع الرسالة من الوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم ، والضغط على دعاتها وأتباعها بكل الوسائل التي تمنعهم من تحقيق أهدافهم الخيّرة في الحياة . وبذلك ساهموا في تعطيل حركة الحق والخير والعدل ، فأفسدوا الواقع بطريقة سلبية من هذه الجهة ، كما أفسدوه بطريقة إيجابية مضادّة ، من جهة أخرى ، في ما قاموا به من الدعوة للكفر ، وإفساح المجال لقيمه الشريرة لتتركز في الأرض ، فاستحقوا العذاب ضعفين ، من خلال إفسادهم لحياتهم ولحياة الناس من حولهم ، كما جاء في آية أخرى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] ،
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
لأن قيمة الشهيد من الداخل ، أنه يفهم القضايا المحيطة بالمسألة بعمق ، فلا يكتفي بظواهرها ، بل ينفذ إلى بواطنها ، حيث المشاعر التي تفسّر كثيرا من الأوضاع والخلفيات التي تتحرك من خلالها قضايا الواقع ، مما لا يمكن أن يفهمه الآخرون الذين يأتون من خارج المجتمع غالبا إلا بجهد كبير . وقد كرر هذه الفقرة في هذه الآية ، تمهيدا للفقرة التالية
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
والظاهر أن الإشارة بهؤلاء إلى الذين كذبوا محمدا صلّى اللَّه عليه وآله وسلم من قريش وغيرهم ، ولكن ليس معنى ذلك اختصاص شهادة الرسول بهؤلاء ، لأن التعبير لا ينفي امتداد شهادته لغيرهم ، باعتبار أن الحديث يتحرك في أجواء المواقع التي نزلت فيها الآية ، وتبقى للآيات الأخرى ، وللفكرة العامة التي تتحرك - على أساسها - الشهادة ، ما يمكن أن يكون بيانا لسعة المساحة الزمنية والمكانية التي تنطلق فيها شهادة النبي على أمته ، في زمانه وغير زمانه ، ولكن بشكل مباشر تارة ، وبشكل غير مباشر أخرى .
من وحي القرآن — صفحة 278 | السيد محمد حسين فضل الله