رحمته وجنته ، تنفيسا لعقدة إبعاده عن الجنة ، بإبعاد الأكثرية من أولاد آدم عنها .
مادة خلق الإنسان والجان
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
، الصلصال هو الطين الجافّ ، باعتبار أن أصل الكلمة هو تردد الصوت من الشيء اليابس ، فاستعير لكل شيء يابس ، باعتبار أن اليباس يبعث على تردد الصوت ، والحمأ هو الطين الأسود المنتن ، والمسنون هو المتغير ، ومنه قوله تعالى :
لَمْ يَتَسَنَّهْ
[ البقرة :
259 ] أي لم يتغير ، كأنّ اللَّه خلق الإنسان من تراب ، ثم تحول التراب إلى طين ، ثم تركه حتى جفّ وتغيّر واسودّ وأنتن .
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ
وهو مخلوق حي عاقل يعيش مع الإنسان على الأرض ولكن في مجتمع منفصل عنه ، دون أن يبرز أي مظهر من مظاهر حياته أو حركته على الأرض مع الإنسان ، إلا في حالات خاصة ، وهو مخلوق كالإنسان تماما يعقل ويفكر ويتحمل المسؤولية أمام اللَّه في الحياة ، ثم يموت ويبعث ليواجه نتائج المسؤولية ، لكنه يتميز عن الإنسان بحرية أكبر ، لما أودعه اللَّه فيه من خصائص وأسرار ، لا نملك إمكانية اكتشافها لمحدودية طاقاتنا وتجاربنا في هذا المجال ، كما أننا لا نملك أيّة وثيقة حيّة للوصول إلى ذلك إلا ما عرفنا اللَّه إياه في كتابه ، أو ما شرحه النبي في سنته ، مما ثبت النقل فيه عنه بشكل موثوق . وقد بيّن اللَّه لنا في هذه الآية ، أنه خلق الجان من نار السموم ، ولعل المراد بها الريح الحارّة التي تؤثر تأثير السمّ ، كما أفاد الراغب « 1 » في تفسير معناها ، مما حوّلها إلى نار ، أو جعلها قريبة إلى النار ، ولكن كيف كان ذلك ، هذا ما لم يبيّن لنا اللَّه أمره .
هامش
( 1 ) الراغب الاصفهاني ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 247 .