تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
ولكن الإجابة عنها غير موجودة بشكل كاف يشفي الغليل ويرفع الحيرة . لذا يحسن أن نترك أمرها إلى اللّه ، لأنها في دائرة الغيب الذي احتفظ به لنفسه ، ولم يعرّفنا تفاصيله ، ولم يكلفنا معرفته ، لعدم امتلاكنا وسائله .
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها
في هذا الامتداد المنبسط طولا وعرضا الذي جعلها صالحة للحياة وللسكنى ، وللزرع ولغير ذلك ، ولولا ذلك لما استطاع الموجود الحيّ أن يتحرك أو يحيى فيها بسهولة ،
وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
ثابتة في أعماقها ، لتمنعها من الاهتزاز ، وهي الجبال الشامخة
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
على أساس التقدير الذي يراعي الحاجة بشكل دقيق ، من حيث الخفة والثقل ، فلكل شيء أودعه اللَّه في الأرض من النبات وغيره ، ميزان دقيق يوازن بينها وبين ما تحتاجه الحياة والإنسان ، فلا يزيد شيء عن الحاجة ، ولا ينقص عنها ، ولكل شيء منها تقديره الذي يتحقق فيه التناسب والانسجام بين الأمور ، ضمن النظام الذي يحكم الأشياء بالحكمة والتقدير ،
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
مما تأكلون وتشربون وتحفظون به حياتكم
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ
من مخلوقات سخرناها لكم دون أن نجعل رزقها عليكم ، كالحيوانات وغيرها ، بل تكفلنا برزقها . في هذا العرض السريع ، حيث تلتقي العظمة بالنعمة ، وتنطلق الحياة ضمن نظام متوازن زاخر بالروعة والجمال ، ويتحرك الإنسان في رعاية اللَّه وحمايته التي تدبر كل شؤونه وأموره ، حتى يشعر بأن الحياة كلها له ، وفي خدمته ، ليشكره على ذلك من موقع الإحساس بضرورة الانسجام في حركته مع النظام الكوني الذي أراد اللَّه أن لا يسيء إليه الإنسان ، بالانحراف عن غاياته ومقاصده ، وهكذا نجد في هذا الجو الكوني ما يدفع الإنسان إلى الشعور بالروحانية الفيّاضة بالرحمة واللطف الإلهيين ، ليرتبط باللَّه أكثر ، إحساسا بارتباط كل وجوده به ، في كل شيء ، ومع كل شيء . وبذلك يلتقي ، في داخله ، جانب الإحساس ، بجانب التصور في حالة مشرقة من وضوح الرؤية وسلامة الشعور .
من وحي القرآن — صفحة 151 | السيد محمد حسين فضل الله