فليس هناك في العالم الإسلامي كله ، ولا في غيره ، صيغة أخرى أو نسخة أخرى يختلف فيها القرآن لدى مذهب عنه لدى مذهب آخر ، بالرغم من وجود كلمات شاذّة هنا أو هناك ، فإن مثل هذه الكلمات لم تستطع أن تنفذ إلى مستوى العقيدة العامة . وإذا كان بعض الذين ذهبوا إلى القول بالتحريف يملكون موقعا متقدما من حيث العلم والوثاقة لدى أهل مذهبهم ، فإنهم لم يتمكنوا من النفاذ إلى واقع الناس العقيدي والعملي ، كما أنهم لا يملكون الوعي الذي يستطيعون به إدراك خطورة هذا الاتجاه على مستوى العقيدة الإسلامية ، عندما يتسرّب الخلل إلى النص القرآنيّ . هذا إلى جانب أن هؤلاء لا يملكون الذوق الفني الذي يعينهم على فهم أسرار اللغة العربية ليقارنوا بين هذه الكلمات التحريفية ، وبين الأسلوب القرآني المعجز ، فبقي كلامهم لغوا وجدلا عقيما لا قاعدة ثابتة له ، غرضه تسجيل النقاط على غيرهم من الفرق لحسابات مذهبية أو سياسية ، لذا لا بد من الابتعاد عنه عند تناول القرآن .
* * *
استهزاء الناس بالرسل من قبلك
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ
فلم تكن أول رسول يرسله اللَّه إلى الناس ، فقد سبقك رسل كثيرون بعثوا إلى الأمم الأولى ، التي بدأ تاريخها مع بداية التاريخ حتى يومك هذا ، ولم يكن سلوك قومك معك وما لاقوك به من استهزاء ، بدعا من السلوك ، فقد عايش أقوام الرسل الآخرين مثل ذلك السلوك مع رسلهم
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
لأنهم لا يستطيعون مواجهة الحجة ، فيلجئون إلى السخرية ، ليبرروا هروبهم من الحجة الدامغة ، وابتعادهم عن خط الحق ، وليسقطوا عن الرسل تأثيرهم في المجتمع ، لما يوحيه الاستهزاء من عدم الاحترام للشخصية التي يطالها .