تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
إنهم الآن يستيقظون على ما وصلوا إليه من واقع يحاولون التخلص من بعض قسوته على الأقل ، متوجهين إلى من كانوا يتبعونهم في كل شيء ، طالبين منهم تحمل تبعاتهم في الآخرة ، مقابل ما تحمّلوه من تبعاتهم في الدنيا ، تماما كما كان الحال في الدنيا حيث كان الرئيس يقدم لأتباعه الحماية من المتاعب والمشاكل ، مقابل ما يقدمونه من خدمات تصل إلى درجة المخاطرة بالحياة وينطلق سؤالهم ، بلهجة متوسّلة يائسة ، تحمل كثيرا من خيبة الأمل ، وعدم الثقة بالنتيجة ، كما توحي كلمة « من شيء » في سؤالهم
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
، أي شيء ، ولو بالمقدار الذي يخفف عنا قسوته وشدّته ؟ وتجسد الصورة القرآنية تهرب أولئك المستكبرين ، باعتبار الموقف يائسا من كلا الطرفين ، فهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فكيف يملكون لأتباعهم الحماية ، حيث لا متسع للحساب ، ولا مجال للهروب ، بل أمامهم الاستسلام اليائس للمصير الذي تعبر عنه هذه الكلمة القرآنية أبلغ تعبير :
قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ
، لأن المشكلة أننا ابتعدنا عن اللَّه وتمرّدنا عليه ، ولم نهتد بهداه ، بعد أن أقام علينا الحجة وتركنا لأنفسنا ، دون أن يتدخل بقوّته لفرض الهداية علينا ، فضللنا وأضللناكم لأنكم جعلتم حياتكم تبعا لحياتنا . لذا نقف هنا - جميعا - وجها لوجه - أمام نتائج المسؤولية الصعبة ، دون أن يكون هناك فرق بيننا في الموقف ، لأننا مشتركون في تجميد إرادة الحق في وعينا ، في ما يحكم به العقل والوجدان ، والذي جاءت به الكتب وبلغه الرسل ، واتبعنا شهواتنا ومطامعنا ، فلا بد لنا من أن نواجه الحقيقة ، بكل صعوبتها وقسوتها
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
، ومهرب من المصير الأسود الذي لا نملك إلا أن نتقبّله ونخضع له ، لأننا لا نملك له تغييرا ،