السارق ، سألوهم عن ذلك ،
قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ
في دعواكم الأمانة ، وإنكاركم للسرقة ، لأننا لا نريد أن نعاقب السارق بمقتضى شريعتنا ، بل نريد أن نلزمكم بما تفرضه شريعتكم ، لتعلموا أننا لا نقصد استغلال موقعكم الضعيف عندنا بأن نفرض عليكم ما نريد ، بل نترك الأمر لكم في اكتشاف المسألة وفي الحكم عليها .
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ
وذلك بأن يسترقّ ويستعبد ، أو يؤسر ليفعل به صاحب المال ما يشاء ، وتلك كانت شريعة يعقوب في معاقبة السارق ،
كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
الذين ظلموا غيرهم بالاعتداء على ماله ، وظلموا أنفسهم بالانحراف عن أمر اللَّه .
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ
ليبدو الأمر طبيعيا لهم ، فلا يثير أيّ شك لديهم بوجود خطّة لإبقاء أخيه ، فلم يجد في أوعيتهم شيئا مما أثار في نفوسهم الاطمئنان إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون اشتباها . وهنا كانت المفاجأة التي تنتظرهم :
ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
ووقفوا جميعا أمام هذه الصدمة الكبيرة لا يعرفون ماذا يفعلون وكيف يفسرون الأمر بعد أن واجهتهم الحقيقة الصارخة .
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
ودبّرنا له الحيلة في الوصول إلى هذه النتيجة السعيدة التي كان يحبّها ويرتضيها ، إنه التدبير الإلهي الخفي ،
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
لأن دين الملك وشريعته أن يسجن السارق أو يعاقبه ، ولكن اللَّه ألهمه أن يلزمهم بما تفرضه شريعة يعقوب ، فحصل على ما يريد ، ولعل هذا هو المراد بقوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
فإذا شاء أمرا هيّأ أسبابه ،
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
كما رفعنا مكانة يوسف بالعلم والتقوى ، فبلغ ما بلغه من الشأن ،
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
حسب ما تفرضه طبيعة اختلاف الدرجة في المعرفة ، وربما كان في هذا بعض الإيحاء بما يميز يوسف عن إخوته في العلم ، لأنهم كانوا يحملون بعض العلم حسب ما ذكر المفسرون .