ليواجه الدعاية المضادّة ، بقوّة الهجوم على الفكرة المثارة حول رسالته ، ليتعرف الناس فيه وجه النبيّ الذي يرفض السحر من ناحية المبدأ ، بعيدا عن وجه الساحر الذي يزهو بسحره ليربح تصفيق الناس ولمعان عيونهم بالدهشة والإعجاب .
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
قالوها ، في عملية إنكار للنتائج السلبيّة التي يواجهون من خلالها هزيمة كل مفاهيم الصنميّة المتخلّفة التي ورثوها من آبائهم ، فعاشت - في داخلهم - في مواقع القداسة الجاهلة التي ترى في الماضي - بكل جهله وتخلّفه - معنى التقديس ، فلا يمكن أن يناقشه أحد ، مهما كانت درجة الخطأ فيه ، لأنهم لا يميزون بين العاطفة التي تحكم علاقتهم بالماضي ، وبين العقيدة التي تخضع لاعتبارات الحق المرتكز على الحجة والبرهان ، ولو فكروا جيدا في المسألة ، لرأوا أن هؤلاء الآباء هم بشر كبقية البشر ، فقد يصيبون الحقيقة ، وقد يخطئونها ، فلا بد من مناقشة فكرهم وعاداتهم وتقاليدهم ، تماما كما نناقش فكر الآخرين الذين يعيشون معنا ، لأن الزمن لا يعطي للشخص أو للفكر معنى الحقيقة في حركته ، بل كل ما هناك ، أنه يفسح المجال للطاقة الفاعلة أن تتحرك في مجاله ، لتعبر عن نفسها بما تملكه من ملامح الحق والباطل ، وبذلك يصبح من حق أي إنسان يفكر بغير الطريقة التي يفكر بها الأقدمون ، أن يعمل ليغيّر الفكر الذي تركوه ، والبناء الذي بنوه ، فليس لأحد أن ينكر عليه ذلك ، بل كل ما هناك أن لهم أن يناقشوه في طروحاته ، كما يناقش هو الآخرين ، في ما طرحوه . ولكن هؤلاء الذين واجهوا موسى لم ينطلقوا من موقع التفكير والإخلاص للحقيقة عندما أنكروا عليه ذلك ، وقالوا له :
أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
ثم وجهوا خطابهم إلى موسى وهارون معا ،
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
لأنهم يظنون أن الناس مثلهم لا ينطلقون من قاعدة الحق عندما يعارضون ، بل يعتبرون الدعوة الجديدة التي يثيرونها في الساحة وسيلة من وسائل الإمساك بالسلطة ،