تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
الكثيرين من الناس لا يريدون أن يفكروا من موقع عقليّ موضوعي
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
من غير قاعدة للتكذيب ، بل كانت القضية مزاجا وشهوة وتمرّدا على أساس الذاتية التي تحدد مواقفها من خلال انفعالاتها
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
فنختم على عقولهم بسبب ما اختاروه لأنفسهم من العدوان على الرسل والرسالات ، بعد أن أغلقوا قلوبهم عن كل كلمات الحق وجمّدوا مشاعرهم عن الاستجابة لنداء اللَّه ، فكانت النتيجة هي ابتعاد العقول عن الإيمان ، وذلك من خلال ما ربط به اللَّه الأمور في قانون السببيّة الذي يتصل فيه المسبب بالسبب .
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا
في المرحلة الصعبة التي كان يعيشها المستضعفون تحت سلطة هذا الطاغية وجماعته ، مما كان يفرض حالة إنقاذ غير عاديّة ، من أجل أن تتحرك المسيرة الإنسانية بعيدا عن الضغوط التعسفية التي تلغي إرادتها الحرّة ، وتؤخر اندفاعها نحو التقدم في مجالات الفكر والحضارة ، فكان إرسال موسى وهارون بالنبوّة من أجل تحقيق عملية الإنقاذ التي تتحرك في خط التوعية على مستوى الدعوة ، وفي خط التعبير على مستوى المواجهة ،
فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
فلم يناقشوا فكر الدعوة من موقع الفكر ، بل واجهوه بالاستكبار الذاتي الطاغي الذي يوحي للنفس بأنها على حق دائما مهما كانت طبيعة الطروحات ، ولذلك فإنهم يتحركون في أجواء الجريمة ، فيجرمون على مستوى الفكر وعلى مستوى الواقع وعلى مستوى العلاقات ، في ما يؤيّدون ، وفي ما يرفضون ، وذلك لإرضاء غريزة الكبرياء عندهم التي تدفعهم لأن يجحدوا الحق ويضطهدوا أهله في عملية إذلال وإخضاع . وتلك هي سيرة الطغاة والظلمة والمستكبرين الذين يعيشون الجريمة من مواقع الاستكبار .