تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥

السمع هو سمع العقل

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
ولكن بعقول غائبة عن كل المداليل التي توحي بها الكلمات ، ومشاعر معقّدة ممّا تتضمنه الآيات ، فلا تتعقد منهم إذا رفضوا ما تطرحه عليهم ، أو كذبوا بما تدعوهم إليه ، ولا تتهم نفسك بالفشل لأنك لم تنجح في دعوتك أو في حركة أسلوبك ، بل اعتبر المسألة كما لو كنت تتحدث مع الصمّ الذين لا يسمعون ، لأن الصمم على قسمين ، فهناك صمم في السمع على أساس عضويّ عندما تختل قوّة السمع في الأذن ، وهناك صمم في الوعي ، في ما يمثّله من اختلال بوعي الحاسّة لما سمعه من خلال ما يتحرك به عقل السمع من وعي المضمون الداخلي للكلمة ، وبذلك كانت مشكلة الداعية أمام الناس تتمثل في نقطتين : الأولى أن يسمعوا منه الكلمات كألفاظ وأصوات ، والثانية ، أن يسمعوها منه كمعان ومداليل . والأولى تتصل بالجانب المادي للسمع ، والثانية تتصل بالجانب المعنوي له . وبذلك كانت المسألة مرتبطة به من جهة وبالآخرين من جهة أخرى . وإذا كان من مهمته أن يزيل الموانع من جهته ، فليس من مسئوليته أن يرفع الموانع من جهة الآخرين إذا أغلقوا آذانهم عن الاستماع ، أو إذا أغلقوا عقولهم عن الوعي لما استمعوا إليه ،
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
ما سمعوه . . وبهذا كانت الكلمة الأخيرة إيحاء بأن الذي يسمع ولا يعقل ، كمن لم يسمع من الأساس ، لأن مهمة السمع أن يرسل الكلمة إلى القلب والعقل والشعور ، فإذا تجمّدت عند حدود الأذن ، كانت بمثابة الصدى الذي لا معنى له ، بل هو الدويّ الذي يحس به الأصمّ دون أن يعي منه شيئا .