تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
صادِقِينَ
فاللَّه - سبحانه وتعالى - يتحدى هؤلاء المقتدين بأن يأتوا بدليل واحد على أن هذا القرآن ليس من عند اللَّه ، وإنما هو من افتراءات محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، ذلك أن محتوى دعواهم يذهب إلى أن هذا القرآن إذا كان من صنع بشر ، فلا ريب أنه في متناول الناس الإتيان بمثله ، لأنه لن يكون عندها ذلك الكتاب المعجز ، وبالتالي فإن عجزهم عن الإتيان بمثله دليل على كذبهم وكذب دعواهم من جهة ، ودليل على كونه من اللَّه تعالى من جهة أخرى . إلا أن هؤلاء الذين لا يحترمون عقولهم ، فلا يوجهونها إلى التفكير والبحث عن الحقيقة ، ولا يتحملون مسئوليّة المصير ، فيبتعدون بخطواتهم عن السير في الاتجاه الصحيح ، فينكرون من دون أساس للإنكار ، ويكذّبون من دون حجّة على التكذيب
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
ولم يملكوا حجته ، فإن من الطبيعيّ للجاهل أن يتوقف عند حدود جهله ، فلا يثبت ولا ينفي إلّا إذا انطلق في البحث إلى نتيجة إيجابيّة أو سلبيّة حاسمة ، ولكن كثيرين من الجهّال الذين لا يطيقون البحث ، يستعجلون التكذيب ليبرّروا بذلك انحرافهم وابتعادهم عن المسؤوليّة التي يمثلها خط الحق ، ثم يتحوّل الأمر عندهم إلى عقدة مرضيّة مستعصية تدفعهم إلى محاربته والاعتداء على رموزه . وقد ورد في حديث الإمام علي عليه السّلام : « الناس أعداء ما جهلوا » « 1 » . وهكذا كذّب هؤلاء بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
وتفسيره في ما يشتمل عليه من حقائق وأسرار ، ولكنها ليست أوّل بادرة تصدر من المكذبين الجاهلين ، بل هي سيرة البشريّة الكافرة التي لم ينطلق كفرها من موقع الحجة والبرهان ، بل من موقع العقدة المعادية ،
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، فأخذهم اللَّه بكفرهم وذنوبهم ،
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان ، فعرّضوها للخزي في
هامش
( 1 ) ابن أبي طالب عليه السّلام ، علي ، نهج البلاغة - ( المعجم المفهرس ) دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1041 ه - 1990 م ، قصار الحكم : 172 ، ص : 378 .
من وحي القرآن — صفحة 312 | السيد محمد حسين فضل الله