ينطلقون في ذلك من موقف ضعف في الإيمان ، بل من موقف رخصة لهم في ذلك . وفي ضوء هذا ، لم يكن هناك مجال لظهور نفاقهم - في مواقع التمايز بين الصادقين والكاذبين - أمام الملأ كافة ،
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
من موقع التجربة الحيّة أمام الأوامر الحاسمة التي لا عذر لأحد في مخالفتها في ما توحي به من الشمول والإلزام .
الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وغير المؤمنين
وتنطلق الآيات لتوضّح الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وسلوك غير المؤمنين في القضايا التي تمثّل الإخلاص للَّه ، في ما يتصل بقضية المصير في مسألة المواجهة بين الكفر والإيمان في المعركة الفاصلة ، ليكون ذلك هو الميزان الذي توزن به الأشياء في تقييم الأشخاص والمواقف .
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
لأنهم يعيشون الإخلاص للَّه ، والطاعة لأوامره ، والمحافظة على دينه ، والرغبة في ثوابه ، والحصول على رضاه ، ولذلك فإنهم يتحركون في مواقف الجهاد من هذا الموقع ، فلا يلتمسون العذر في التخلف عنه ، بل يعملون على إزالة الموانع في الانطلاق نحوه ، لأنهم لا يرونه مشكلة شخصيّة لهم ، بل حلّا لمشكلة الإسلام في صراعه مع الكفر ، مما يرون فيه المسؤولية الكبيرة التي تفرض عليهم أن يقدّموا أموالهم وأنفسهم قربانا للَّه في هذا السبيل ، الذي تتجسد فيه خطوط التقوى ، وحركيّتها وفاعليتها في حياة الفرد والأمّة
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
بسبب ما يعلمه من صدق الإخلاص في قلوبهم ، ودقّة الالتزام في سلوكهم ، وصفاء العقيدة في أرواحهم .