على حقيقتهم ، فيرفضوهم من موقع الحقيقة الداخلية التي تنكشف من خلال تصرّفاتهم ، فالمسألة تدخل في دائرة مخالفة ما هو الأولى في التصرف ، وليس في ذلك انتقاص من عصمته وانسجامه مع الخطّ الذي يريد اللَّه له أن يسير فيه ، فقد ترك اللَّه للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم مساحة يملك فيها حريّة الحركة من خلال ما يدبّر به أمر الأمة بالوسائل العادية المألوفة التي قد تخطئ في بعض مجالاتها ، لا بالوسائل الغيبيّة التي لا يملكها بطريقة ذاتيّة ، لم يكشفها اللَّه له بشكل مطلق ، تماما كما هي الحال في ممارسته القضاء بين الناس حيث
قال : « إنما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات »
« 1 » .
معنى خطأ النبي
وليست هناك مشكلة أن يقع الخطأ ، في ما هو الواقع في رصد الأشياء الخفيّة من خلال غموض الموضوع لعدم وضوح وسائل المعرفة لديه ، ما دام الغيب محجوبا عنه ، إلّا في ما أوحى به اللَّه إليه من أسرار علمه . وهذا ما أراد القرآن تأكيده في أكثر من آية ، في توضيحه لكثير من حقائق الأمور بعد وقوعها وتحرّكها في دائرة خلاف الأولى ، في ما كان وجه الصلاح غامضا فيه من جهة ظواهر الأشياء ، كما في هذه المسألة التي أراد اللَّه أن يوحي من خلالها بالحقيقة إلى نبيّه ، الذي أذن لهم في عدم الخروج انطلاقا من سموّ أخلاقه وسعة صدره ومواجهته الحالة بالرفق واللين ، من خلال ما حدثنا اللَّه به عن أسلوبه في الحياة . ولكن القوم لم يكونوا بالموقع الذي يستحقون فيه ذلك ، وهكذا كان خطابه لنبيّه بأسلوب العتاب المحبّب
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في ترك الخروج ، فقد اعتبروا ذلك حجّة لهم أمام المسلمين الآخرين في تأكيد صدقهم في الإيمان ، وانسجامهم مع خط الطاعة للَّه وللرسول ، فهم عندما يتخلّفون ، لا
هامش
( 1 ) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية - طهران ، ج : 7 ، ص : 414 ، رواية : 1 .