ثقة النبي بالله
واشتد الضغط على مشاعر أبي بكر الذي كان يخشى من الموقف على نفسه وعلى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم
إِذْ هُما فِي الْغارِ
يتحاوران ، فيتحدث أبو بكر عن أجواء الخوف المدمّر ، ولكن النبيّ كان يعيش آفاق النصرة التي وعده اللَّه بها ، واللَّه لا يخلف وعده ، فكان يشجع أبا بكر على الثبات في الموقف ، وعلى الاطمئنان لنصر اللَّه
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
فلو كان الناس بأجمعهم مع الإنسان وكان اللَّه ضده ، لم ينفعه ذلك شيئا ، ولو كان اللَّه معه وكان الناس ضدّه لم يضرّه ذلك شيئا ، لأن اللَّه هو الذي يملك القوّة كلها ، فلا قوّة لأحد إلا من خلال ما أعطاه ، فهو الذي يملك من الإنسان ما لا يملكه الإنسان من نفسه ، فإذا أراد رعاية عبد من عباده ، برحمته وقوّته ولطفه ، فإنه يأخذ بكل أسباب القوّة من خلال اللَّه ، وتلك هي الأجواء الروحيّة التي تطوف بالإنسان في ملكوت اللَّه عندما تشتد عليه الأهوال ، وتضيق عليه السبل ، وتكثر حوله التحدّيات ، ويهجم عليه أهل البغي والطغيان ، فإذا أحسّ من نفسه ضعفا أمام ذلك كله ، وشعر بالحزن يزحف إلى قلبه ، وبالخوف يسيطر على روحه ، رجع إلى اللَّه في روحية العبد الخاشع ، وذهنيّة الإنسان الملتجئ إليه المعتصم به ، فعاش معه في ابتهالاته ودعواته وروحية الصلاة في ضميره ، فإذا بالضعف يتبدّل إلى القوّة ، وبالخوف يتحول إلى شعور بالأمن ، وبالحزن ينطلق إلى الفرح الروحي ، ليوحي لنفسه بأنّ اللَّه معه ، ليثبت أمام الزلزال ، وليقول لإخوانه الذين يعيشون الاهتزاز الروحي والفكري والعملي أمام عواصف المحنة والبلاء : لا تحزنوا إن اللَّه معنا .
وهذا هو الشعار الذي ينبغي لنا أن نثيره في وعينا وحياتنا ومسيرتنا في إحساس عميق بحضور اللَّه في كل وجودنا ، بالمستوى الذي تتمثل لنا فيه عناصر القوّة كأروع ما تكون ، في تحرّكاتنا ومنطلقاتنا ، انطلاقا من وعي الرسالة في الرسول ، وقوّة الإيمان في النبيّ ، وحركة القوّة في الموقف النبويّ