فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج ، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة ، فبال في أصلها القائف ثم قال : ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان . قال : فعند ذلك حزن أبو بكر ، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم : « لا تحزن إن اللَّه معنا » ، قال : فمكث هو وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم ، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلا ، فلما كان بعض الليل من الليلة التالية ، أتاهم علي بالإبل والدليل ، فركب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم راحلته وركب أبو بكر أخرى ، فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه . . .
وفي رواية ، وضربت العنكبوت على بابه - باب الغار - بعشاش بعضها على بعض ، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار ، فقال بعضهم : إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد « 1 » .
كلمة الله العليا وكلمة الكفر السفلى
وتأتي هذه الآية لتثير أمامهم التفكير بالمعنى الإيماني العميق الذي يوحيه الإيمان باللَّه ، في ما ينصر به رسله ، ويدعم به رسالاته ، فاللَّه لا يحتاج إلى أيّ عبد من عباده في تحقيق إرادته بالنصر ، لأنه وليّ القوّة في الحياة كلها ، فلا قوّة لأحد إلّا بإرادته ، ولا سبب للقوّة إلّا منه . وقد يكون السبب متصلا بالنواميس الطبيعيّة التي أودعها في الأشياء ، وقد يكون مرتبطا بالأوضاع غير المألوفة في حركة الأسباب . وبذلك ، فلا مجال لأحد أن يتصوّر ، من موقع وعي الإيمان ، أن الناس إذا ابتعدوا عن نصرة النبي ، فإنه يفقد مبررات النصر ، ليبقى في جميع الظروف تحت رحمة الناس ، فيستطيعون من خلال ذلك ممارسة كل ألوان الضغط المادي والمعنوي عليه في ما يريدون منه ، وما
هامش
( 1 ) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م - 1414 ه ، ج : 4 ، ص : 196 .