تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الإنسان إلى أن يدرس طبيعة المجتمعات الحيوانيّة ، ليراقب طريقتها في النمو ، وفي العلاقات ، وفي ممارسة غرائزها وحاجاتها وفي أسلوبها المتنوع في الدفاع عن نفسها في مواجهة الأوضاع الطبيعية ، أو الحالات الطارئة التي تشهد وجودها وذلك ليخرج الإنسان من خلال هذه الدراسة الشاملة بفهم كيفيّة التعامل مع الحيوان ، وطريقة الاستفادة من خصائصه وأساليبه في العيش وبناء العلاقات ، فإن اللَّه يريد للإنسان أن يفهم كل ما حوله ليتعلم منه دروس الحياة ، ولينطلق في هذه الرحلة الكونيّة الحيّة ، ليعرف منها عظمة الخالق من خلال عظمة المخلوق ، لتلتقي ، لدى الإنسان المعرفة الكونيّة بالمعرفة الإلهيّة . . وهذا هو الأسلوب القرآني المميّز الذي يوحي للإنسان باللّاهوت من خلال حركة الحياة من حوله ، لا من خلال الطريقة التجريديّة في التفكير ، فلا تنفصل العقيدة عن الحياة ، بل تتعمَّق بها ، وتنمو في حيويّتها وتطوّرها . وقد يتساءل متسائل عن طبيعة هذه المماثلة بيننا وبين الحيوانات التي تدبّ في الأرض أو تطير في الهواء ، فهل لها تفكير وعقل وإرادة ، كما لنا ذلك كله ؟ وهل نستطيع اكتشاف ذلك من خلال التنظيم الدقيق الذي يحكم أفرادها ومجتمعاتها وينظم علاقاتها ببعضها البعض ، أم أنَّ ذلك يتحرك في حياتها بطريقة غريزيّة تلقائيّة لا أثر فيها للاختيار المتنوّع والإرادة المعقّدة ؟ وقد نتصوّر المماثلة في هذا التكوين الاجتماعي الذي يجعل لكل فرد أو جماعة دورا محدّدا في حركة الأفراد ، مما يوحي بالدقّة في الخلق والتنظيم الإلهي للكون ، وربما كان هذا الاحتمال أقرب إلى مدلول كلمة « أمم » التي تمثل المضمون الاجتماعي في معناها الدقيق . وفي هذا الجوّ ، قد ينبغي للعاملين في حقل التربية الإسلامي ، أن يجعلوا من علم الحيوان مادّة ثقافيّة تربويّة ، تربط الإنسان باللَّه ، من خلال انفتاحه على الكائنات الحيّة التي تعيش معه وتتحرك من حوله ، وتوحي له
من وحي القرآن — صفحة 90 | السيد محمد حسين فضل الله