المشركون ، في ما اختلفوا فيه من عبادة الأصنام أو الكواكب ، أو الأشخاص ، أو النور والظلمة ، وقال بعضهم : إنهم أهل الكتاب ، اليهود والنصارى ، في ما اختلفوا فيه من طوائف متعددة ضمن الدين الواحد ، وقال بعضهم : إنهم المسلمون ، وقال بعض آخر : إنهم كل أهل الملل .
وقد لا يهمنّا كثيرا في الجانب التفسيري ، أن نقف على رأي حاسم في المسألة ، لأن ذلك لا يقدم شيئا ولا يؤخر في الفكرة العامة للآية ، وهي التنديد بإثارة الخلاف والتفرقة في الدين الواحد ، انطلاقا من المطامع والأهواء والشهوات ، لأن النبيّ بريء من كل الناس الذين يتحركون في حياتهم انطلاقا من هذه الخلفيّات الذاتية التي يحاول أصحابها أن يستخدموا القضايا العامة في سبيل تحقيق المصالح الخاصة ، بقطع النظر عن طبيعة هذه أو تلك . وربما كان المراد هو الإيحاء بأنّ هؤلاء ليسوا أصحاب دين ليلتقي معهم النبي في ما يمكن أن يتحقق فيه اللقاء من الدين الذي ينتمون إليه ، لأنهم لو كانوا يؤمنون بدينهم ، أو يحترمونه ، لما عملوا على تحقيق الفرقة في داخله وإضعاف قوته المنطلقة من خط الوحدة الذي يحكمه ، في عقيدته وشريعته .
وفي ضوء ذلك ، يمكن أن نستوحي منها الفكرة الشاملة للمسلمين الذين يعملون لإخضاع الإسلام لمصالحهم وأغراضهم ، وزرع الفتنة والخلاف في داخل تجمعاته ، في محاولة كل طرف أن ينسب منهجه وطريقته إلى رسول اللَّه ، فيكون التأكيد موجها إلى أمثال هؤلاء ، كما هو موجّه إلى اليهود والنصارى ،
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ
أي : فأعرض عنهم ولا تتعقد منهم ، بل واصل سيرك في ما تؤمن به من خطّ ومن صراط مستقيم . أمّا هم فسيواجهون اللَّه غدا بكل أعمالهم
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
من دسائس وفتن وموبقات .