الكبيرة ، التي تنتظر الإشراقة الرائعة كما ينتظر الأفق الفجر الوليد الذي يخترق الظلام ، نقطة هنا ، ونقطة هناك ، وتتكاثر نقاط الضوء ، ثم يتدفّق الينبوع ليستوعب الأفق كله في حكايات النور .
وهكذا تنطلق الرسالة في حركة النموّ الطبيعيّ للأشياء الذي يعطي لها القوّة ، ويثبّت جذورها في الأعماق ، وتجمّع حولها المؤمنين ، واحدا ضعيفا من هنا ، وواحدا فقيرا من هناك . . ويتحوّل الأفراد إلى مجتمع صغير ، وتتكاثر المجتمعات الصغيرة في هذا الموقع أو ذاك ، ثم ينطلق المجتمع الكبير ليتحوّل إلى أمّة ، وليتحرَّك في آفاق الإنسانية كلها ، ليستوعب الحياة في جميع مراحلها ومشاكلها وقضاياها الكبيرة والصغيرة .
وهكذا تبدأ عملية صنع القوّة لكل من يريد أن يبحث عن القوّة الحقيقية ، ولهذا فلا بدّ لمن يؤمن بالرسالات من أن يصبر طويلا على مشاكلها ومتاعبها ، وتحدّيات القوى المضادة لها ، ليأخذ من كل ذلك قوّة تتجدد مع كل مشكلة ومع كل لون من ألوان التحدي . . ويبقى - قبل ذلك وبعد ذلك - للرعاية الإلهية في ما يهب اللَّه أولياءه من القوّة والصبر والثبات ، الدور الأكبر والأساس في ذلك كله .
وهكذا يريد اللَّه للرسول الداعية ، ولكل داعية في هداه ، أن لا يواجه الموقف من هذا المنطلق ، بل أن يرفض كل هؤلاء مهما كانت كثرتهم وقوّتهم ، لأنها كثرة ضلال ، وقوّة كفر ، لأنَّه لو أطاعهم ،
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
لأضلّوه ، ولأبعدوه عن اللَّه وعن رسالته ، ولتركوه مجرّد شخص يبحث عن ذاته ، ويلمّ شتات أوضاعه . . وماذا عن هؤلاء ؟ لماذا ضلّوا ، ولماذا انحرفوا ؟
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
فهم لا يستندون إلى القناعات اليقينيّة التي تمنح الإنسان صفاء الروح ووضوح الرؤية ، بل يتبعون الظن ، فيمنعهم ذلك من التدقيق في الوجه