والمؤسسات ، بل يرتبط انتماؤه ، بالجانب القوي من رسالته ، فإذا كان هؤلاء الأقوياء لا يؤمنون بها ولا يتعاطفون معها ، فما الذي يمكن أن ينتظره منهم عندما يرتبط بهم أو يرتبطون به ، في الوقت الذي يمثل فيه الجانب الأضعف بينما يمثلون فيه الجانب الأقوى ماديا ؟ هل يمكن أن يمنحوا رسالته القوّة في الموقف ، ويتنكروا لما هم عليه من فكر وسلوك وهدف ؟
إن القضية ستكون معكوسة ، لأنهم سيحاولون أن يستغلّوا حاجته إليهم ، وضعفه أمامهم ، من أجل أن ينحرفوا به عن الخط المستقيم ، أو يضلّلوه عن أهداف رسالته وذلك بطريقة قد ينتبه إليها وقد لا ينتبه ، عندما يكون غارقا في ضباب الأجواء الذاتية والعاطفية والمثالية التي يحاولون أن يحيطوه بها ، ليشعر - وهو في غمرة الضباب الفكري والروحي - أنه يسير في الاتجاه السليم .
ولكن ، لما ذا ينطلق الداعية في هذا الاتجاه ؟ ربما كانت الرغبة في الوصول إلى النتائج الكبيرة سريعا ، هو ما يفكر به ، مما يجعل من قضية الاعتماد على القوى الجاهزة الموجودة في الساحة قضية لا تحتمل الجدل ، ولا تقبل التأخير ، لأن الفئات الأخرى ، لا تملك أن تقدم أيّة خدمة في هذا المجال ، بل ربما تعقّد أمامه الأمور أكثر ، وذلك بإغراقه في المشاكل الصغيرة هنا وهناك ، ليقدم تنازلات لهذا الجانب ، ولذاك الجانب ، ولذاك الجانب ، وتضيع القضية من بين يديه في نهاية المطاف ، عندما تحتويه هذه القوى وتستوعبه جملة وتفصيلا .
أمّا الإسلام ، فإنه يعتبر هذا الاتجاه اتجاها خاطئا وفي أقصى درجات الخطورة ، لأن دور الداعية لا يتمثل في تحقيق النجاح السريع على مستوى السلطة أو الشهرة ، من دون قاعدة ثابتة مركزة تواجه عواصف الزمن وتحدياته ، لأن قصة الرسالة هي قصة الحياة الممتدة الواسعة ذات الأبعاد
من وحي القرآن — صفحة 296
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٢٩٦