فيقفون أمامه ، ليواجهوه بالعنف والقوة ، وليفسحوا المجال للباطل وللكذب أن يركّز قواعده في داخلها . وبذلك تتحطّم القيم الكبيرة ، وتتهدّم القواعد الثابتة ، ويسير الإنسان في طريق الضياع نحو المجهول . وفي ذلك الظلم كل الظلم ، لأنه ليس ظلم الفرد في ماله أو في جسده ، بل هو ظلم الإنسان في حاضره ومستقبله ، وظلم الحياة في حركتها وقوّتها ، وفي انفتاحها على إشراقات الحق في ينابيع الضياء .
ومن هنا نستطيع أن نقرّر أن الذين يظلمون الحياة ، والإنسان في حرمان الساحة من حركة الحقيقة ، هم أشدّ من الذين يتعسفون في استعراض عضلاتهم ضد الضعفاء ، لأن ظلم الفكرة يلغي معنى الحياة في إحساس الإنسان ، أمّا ظلم الجسد ، فإنه قد يثير الألم ولكنه يعمّق إحساس الروح بانطلاقة الحياة ويثيرها نحو عالم جديد حرٍّ .
ولهذا ، فإن قضية الحرية في الفكر ، تأخذ الدور الأكبر والأوسع من قضية الإنسان في جهاده من أجل أن يحقق إنسانيته ، تماما كما هي قصة الحرية في الجوانب الأخرى في الحياة ، فإن الإنسان قد يصبر على الحدّ من حريته في أن يأكل كما يشاء أو يلبس كما يريد ، ولكنه لا يصبر كثيرا على الحدّ من حريته ، في أن يفكر ويحسّ بانفتاح ، ولهذا وجدنا الإسلام يثير في وجدان الإنسان إرادة التفكير ، ويمنحه حريّة الفكر ، ويحاول أن يحيط ذلك بضوابط من خلال ما يريد أن يوجهه إليه من مناهج الفكر ، ويحركه نحو انطلاقة الحوار ، لئلا تتحول نزعة الحريّة إلى ما يشبه الفوضى .
الذل والهواة والعذاب جزاء للظالمين
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا