تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الانسحاق الكلي الذي لا يملك الإنسان - معه - لنفسه أيّة قوّة أو ثبات ، وليركز في نفسه قيمة البحث عن العزّة في الآخرة ، إذا كان يفكر بهذه القيمة الإنسانية لأنها ترتكز على قاعدة قويّة في ما ترتبط به ، من رضوان اللَّه من جهة ، وما تنطلق به من العمل الصالح من جهة أخرى . . أمّا عزّة الدنيا فإنها لم ترتكز على هذين العاملين ، فهي لا تملك قيمة ذاتية تذكر ، لأنها ترجع إلى عوامل طارئة ، في ما يملكه الإنسان من مال ، وفي ما يعيشه من علاقات وأوضاع ومواقف ، بعيدا عن العمق الروحي الذي يهيمن على كل أبعاد النفس ، فلا يترك فيها أيّ موقف للذل أمام نزوة أو شهوة أو طمع طارئ . . وقد نتوقف عند كلمة
بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
فنرى أن إعطاء الشرك هذا العنوان ، وهو القول على اللَّه بغير الحق ، يدلّ على أن اللَّه يريد من الإنسان أن يكون صادقا معه ، في ما يعتقده من عقائد ، وفي ما يثيره من أفكار ، أو يقفه من مواقف . . فلا بدّ له من التأمّل والتركيز على العمق في سبيل الحصول على القناعات الإيمانية والفكرية والعمليّة ، لأن أيّ فكر حقّ ، هو قول على اللَّه بالحق ، بينما يكون الفكر الباطل قولا عليه بغير الحق في ما يمثله الحق من ارتباط باللَّه ، الأمر الذي يبعد القناعة بالحق والباطل أن تكون حالة ذاتية شخصية مرتبطة بالشخص ، فيجعلها حديثا مرتبطا باللَّه ومنسوبا إليه ، فتكون النسبة إليه صدقا في حالة ، وافتراء في حالة أخرى . وقد نتوقف عند كلمة
عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
فهي توحي ، أنّ موقف الكفر أو الابتعاد عن الحق لا يمثّل حالة فكرية موضوعيّة مضادّة لخط الإيمان ، بل يمثّل - في عمقه - عقدة ذاتية استعلائية تمنع الإنسان من الخضوع للحق ، الذي يعتبرونه خضوعا لدعاة الحقّ ، وتنازلا ذاتيّا عن قناعاتهم التي يعتبرونها جزءا من الذات ، مما يجعل من التعصب لها تعصبا