أَنْفُسَكُمُ
وهذه الصورة الحيّة المعبّرة التي يعرضها القرآن لحالة الضعف المدمّر الذي ينتهي إليه هؤلاء المتمرّدون على اللَّه ورسوله ، في ما أعطوه لأنفسهم من حجم كبير ، يوحي للآخرين بالقوّة التي يملكونها في مواجهة رسالات اللَّه .
فها هم الآن في غمرات الموت ، ينتقلون من شدّة إلى شدّة . . في إحساس عميق بالألم ، وشعور مرير بالضياع ، وانسحاق ذليل أمام الضعف المطلق الذي تمثله حالة انتزاع الحياة من أجسادهم ، عند اقتراب الموت منهم ، في هذا الجو الكئيب الذي يقف فيه الملائكة في صورة الجماعة المكلّفة بمهمّة محدّدة ، ولهذا ، فإنهم يبسطون أيديهم لإتمام عملية التسلّم في أسلوب يوحي بأن على هؤلاء الظالمين أن يخرجوا أنفسهم باختيارهم ليسلّموها ، من دون أن يملكوا فرصة أخرى للتردد أو للرفض ، مما يخلق - في وعيهم - الشعور بتفاهة دورهم ووجودهم وضعف قوتهم أمام اللَّه . . .
ولا يقف الملائكة عند هذا الحدّ ، بل يعلنون لهم كيف تكون النهاية لهذا الاستكبار والتمرّد على اللَّه ورسله . . فليست القضية قضية نقل للروح من مكان إلى مكان ، ولكنها قضية عذاب الذلّ والهوان الذي يواجههم عند اللَّه بسبب أعمالهم وأقوالهم
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
بما كنتم تفترون وتكذبون وتمنحون أنفسكم صلاحية التنظير والتشريع بغير علم أو حجة ،
وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
في ما توحون به لأنفسكم من الشعور بالكبرياء ، وفي ما تمارسونه في سلوككم من الاستعلاء على الآخرين من عباد اللَّه الضعفاء ، وفي ما تواجهون به الأنبياء من استهزاء وتمرّد .
وقد نستوحي من تأكيد الآية على
عَذابَ الْهُونِ
أن اللَّه يريد أن يثير في نفس الإنسان الشعور بأن العذاب الأخرويّ يواجه الإنسان بالإذلال ، بالإضافة إلى ما يشتمل عليه من آلام . . ليحرّك فيه مشاعر العزّة ، كأسلوب يوجهه إلى الابتعاد عما يجلب إليه الذل الذي لا ذلّ مثله ، لأنه يمثّل حالة