ومن الذي أودع فيها سرّ الألوهة ؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق أو هي قوّة تصنع وتخلق ؟ ثم إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق في ما تشتمل عليه في حقيقتها ، فأين هي هذه المواصفات في تلك التماثيل ؟ إنها الأوهام التي حوّلت الأشياء غير المعقولة إلى عقائد وتصوّرات ورموز قداسة في مستوى الآلهة ، فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة ؟ إن فكره لم يلمح أيّة إشراقة للحقيقة في ما تسير عليه ، ولو من بعيد ، بل كل ما هناك هو الظلام والتيه والضياع ، هنا يتحوّل التساؤل ، إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة المنطلقة من خط الهدى ، التي تحدّد ملامح الضلال في خطوط الآخرين . .
إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل ولا يغلّف الأشياء بغلاف سحري ؛ بل يدفع الموقف إلى الأمام ، بكل وضوح وصراحة ، بعيدا عن اللياقة التي تفرضها علاقة الابن بأبيه ، لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي من العلاقات ، فعلاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه باللَّه أقوى من أيّة علاقة بأيّ إنسان كان .
إبراهيم ( ع ) في رحلة تعرفه على الله
وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم عليه السّلام يتطلع إلى السماء ، كما لو كان قد شاهدها أوّل مرة ، فهو - في ما توحيه الآية - يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل ، وذلك في ما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحسّ البصري كمادّة للتفكير ، للانتقال من المحسوس إلى المعقول ، ومن المادّة إلى المعنى . فقد كان يشاهدها سابقا ، في رؤية جامدة ، لا تعني له شيئا ، إلا بمقدار ما يعنيه انعكاس الصورة في العين ، لمجرّد تجميع الصور في الوجدان ، في ما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليوميّة ، وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ