من هيمنة قويّة لا يملك الناس معها أيّة إرادة أمام إرادته ، فهم مقهورون بفعل امتداد وجودهم منه وحاجتهم إليه ، فمنه يستمدّون القوّة ، لأنهم - منه - يستمدون حركة الحياة ، وبهذا تفرض الفوقية معناها الضاغط المسيطر ، في ما يعطيه القهر من معنى انسحاق المقهور أمام إرادة القاهر .
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
يحفظونكم من كل أسباب الموت ، أو يحفظون أعمالكم في الكتاب الذي يقدمونه غدا بين يدي اللَّه . . وتستمر عمليّة الحفظ ما استمرت الحياة بالناس ،
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
وانتهى أجله المحدّد له
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
الذين أوكل اللَّه إليهم القيام بهذا الدور ،
وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ
في مسئوليتهم وفي دورهم الذي أراده اللَّه لهم في أمور الموت والحياة . ولا يملك الإنسان شيئا أمام ذلك ، فهو مسيّر في أصل وجوده فلا اختيار له في عمليّة الخلق ، وهو مسيّر في انتهاء وجوده ، فلا اختيار له في عمليّة الموت ، وهو محكوم بعمله فلا بد له من أن يقدّم العمل الذي يرضي اللَّه في الدنيا والآخرة .
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ
فهناك يرجع الناس إلى ربهم ليعودوا إليه كما بدأهم أوّل مرّة ، ليواجهوا حكمه المبرم ، فهو الحاكم في يوم القيامة ، ولا حاكم غيره ، لأنه هو المالك ليوم الدين وللناس أجمعين ،
أَلا لَهُ الْحُكْمُ
وهو أسرع الحسبين فلا يحتاج إلى وقت للحساب ، لأن الأرقام كلّها حاضرة عنده ، مجموعة لديه ، ولا بد للإنسان من أن يتوقف عند كلمة
أَلا لَهُ الْحُكْمُ
ليختزن في وعيه دائما معنى حاكمية اللَّه في الوجود ، فيستوعب الفكرة كقاعدة للتصور الإسلامي في الانطلاق من أمر اللَّه ونهيه في شرعية الأفعال والكلمات والمواقف والانتماءات ، لأنّ الحكم حكمه ، والشرعيّة شرعيته ، وفي التوجّه إليه في حكاية الثواب والعقاب ، لأن المصير إليه والأمر بيده ، فلا حاكم سواه في يوم الجزاء .