وقيل : إنه كان قد أراد أن يقيم عبد اللَّه بن عباس - القوي الحجّة - من قبله ، ولكن الضغوط القاسية التي ضغطت عليه جعلت الأمر يدور بين القبول بذلك ، أو الفتنة التي قد تأكل الأخضر واليابس وتدمّر كل الواقع الذي يعيش حول أمير المؤمنين عليه السّلام مما قد تكون المصلحة الأهم في الأمر هو القبول تفاديا للفتنة الكبرى .
قال الإمام علي عليه السّلام في التعليق على قضية التحكيم : إنا لم نحكِّم الرجال ، وإنما حكّمنا القرآن . هذا القرآن إنما هو خطُّ مستور بين الدفتين ، لا ينطق بلسان ، ولا بد له من ترجمان ، وإنما ينطق عنه الرجال . ولما دعانا القوم إلى أن نحكِّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب اللَّه سبحانه وتعالى ، وقد قال اللَّه سبحانه :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء :
59 ] فردّه إلى اللَّه أن نحكم بكتابه ، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته ، فإذا حكم بالصدق في كتاب اللَّه فنحن أحق الناس به ، وإن حكم بسنّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، فنحن أحق الناس به وأولاهم بها .
وأما قولكم : لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم ؟ فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ، ويتثبّت العالم ، ولعل اللَّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا تؤخذ بأكظامها « 1 » فتعجل عن تبين الحق ، وتنقاد لأول الغيّ « 2 » .
وقد ناقش الفكرة في مجال آخر على أساس مستوى الشعار في حركة المضمون الحق في اتجاه الباطل ،
قال عليه السّلام في الخوارج لما سمع قولهم :
« لا حكم إلَّا اللَّه » كلمة حق يراد بها باطل . نعم إنه لا حكم إلا للَّه ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا للَّه ، وإنه لا بد للناس من أمير برٍّ أو فاجر يعمل
هامش
( 1 ) الأكظام : جمع كظم - محركة - وهي مخرج النفس . والأخذ بالأكظام : المضايقة والاشتداد بسلب المهلة .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 125 .