تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
علاقاتهم مع بعضهم البعض ، بحيث لم تعد النصرانيّة موقع وحدة بل تحركت لتكون موقع خلاف يوحي بالتعقيدات النفسيّة والشعوريّة والثقافيّة الّتي تثير العداوة والبغضاء ، لتمتد بهم امتداد الزمان إلى يوم القيامة ، لأنّ المذاهب المختلفة قد تحولت إلى ما يشبه الأديان المتنوّعة ، ولأنّ الحواجز القوميّة والعرقيّة والإقليميّة والسياسيّة والاقتصاديّة قد أصبحت حواجز واقعيّة في كل القضايا والأوضاع . ولعلّ مثل هذه المؤثرات الداخلية ، في واقع النظرة إلى الدين ، لا تقتصر على النصارى وحدهم ، بل تشمل كل الّذين يحوّلون الانتماء الديني إلى حالة ذاتيّة تتغذى بالأنانيّة الفرديّة أو العرقيّة أو القوميّة أو المصلحيّة ، مما يمثل نسيانا لما ذكّروا به من الوحي الإلهي والالتزام الديني بحيث يتحركون في علاقاتهم ببعضهم البعض كما لو لم يكونوا أهل دين واحد ، ولعلّ هذا ما يتمثّل في واقع المسلمين اليوم الّذين التصقت بهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، لأنّ المذهبيّة الطائفيّة تحولت إلى حالة متحجرة في الواقع لا يفكر أيّ فريق في داخلها بالتحّول عنها إلى الجانب الآخر . إن القضيّة ليست متّصلة بعقاب إلهي منفصل عن حركة الواقع في عناصره ، بل هي متصلة بالذهنيّة الّتي تحكم السلوك ، والمنهج الّذي يحدد العلاقات ، والمفردات الّتي تترك تأثيراتها على الفكر والعمل ، فلا تعود العقيدة - في حيويتها وحركيتها وصفائها ونقائها وعناصرها الوحدوية - في الّتي تحكم الواقع الإنساني في الانتماء الديني ، بل الذات في كل ذاتياتها وتعقيداتها .
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
من كل ما قالوه ، وما فعلوه ، مما انحرفوا به عن التزامات الميثاق ، وابتعدوا عنه من خط الاستقامة في الدين .
من وحي القرآن — صفحة 91 | السيد محمد حسين فضل الله