كما تفعل القوانين الوضعية ليكون السجن رادعا عن السرقة ، مع ما يمثله من حجز للحريّة الّتي يعيش الإنسان معانيها الحلوة في حياته كما يعيش الأحلام ، وبذلك يكون منعها شبيها بمنع الماء والهواء عنه ؟ إنّ تجارب عديدة في ظل هذا التشريع دلّت على أنّ السجن قد يكون مدرسة يتعلم فيها الإنسان احتراف الاجرام ، حيث يكون هذا التجمع الإجرامي فرصة لتبادل الخبرات والتجارب .
وربّما كان سبيلا لتأليف عصابة للسرقة أو للقتل أو لغيرهما من الجرائم ، وذلك عندما تفتح أمامهم فرص الاجتماع بعد الخروج من السجن .
وقد يتحول جوّ السجن إلى عقدة توحي لهم بالتمرّد والامتداد في الخط الّذي بدأوا به حياتهم ، انطلاقا من الرغبة في الانتقام لأنفسهم . ولهذا سلك الإسلام في تشريعه طريقا آخر يردع السّارق ، وذلك عن طريق تعطيل الأداة الّتي يمارس بها هذا اللون من الاعتداء ، ليكون ذلك بمثابة المشكلة الحيّة المتحركة المستمرة الّتي تذكره دائما بالجريمة في نتائجها في حياته ، عندما يريد أن يأكل أو يشرب أو يمسك أيّ شيء بيده ، أو عندما تدفعه الحاجة إلى العمل من أجل حياته ، أو يبعه مزاجه إلى أن يظهر للنّاس بمظهر جميل يثير إعجابهم ، وما إلى ذلك من الأمور الذاتية الّتي تعتبر اليد عنصرا حيويا بالنسبة إليه . . وفي الوقت نفسه ، تكون هذه المشكلة صورة إعلامية لكل النّاس الّذين يرونه ، فيدفعهم ذلك إلى التساؤل عن السبب في ذلك من باب الفضول ككل إنسان يشاهد شيئا غير مألوف أو غير طبيعيّ في حياة إنسان آخر ، وبذلك تعود الجريمة لتثأر من جديد ، ولتتحرك في وعي النّاس الّذين يفكرون في جريمة مماثلة ، لتعرفهم على الطبيعة كيف تكون النتائج السلبية من خلالها على حياتهم الخاصة ، بالإضافة إلى حياة الآخرين العامة .
وقد يتحدث البعض عن سلبية اجتماعية واقتصادية في هذا الحدّ القاسي ، لأنّه يحوّل فريقا كبيرا من أفراد المجتمع إلى فئات عاطلة عن العمل ، بعيدة عن الكرامة في حياتها المستقبلية ، إذا أرادت أن تبدأ الحياة على أساس
من وحي القرآن — صفحة 166
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص١٦٦