تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
من هنا ، فقوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ
، يراد به قصة النبيّ آدم أبي البشر ، وتقييده ، سبحانه وتعالى ، الكلام بقوله :
بِالْحَقِّ
- وهو متعلق بالنبإ - أو بقوله
* وَاتْلُ
لا يخلو من إشعار ، بأنّ نبأ هذه القصة كما هو معروف في الوسط الديني اليهودي لا يخلو من تحريف وإسقاط ، وهذا ما هو عليه الأمر بالفعل ، إذ إنّ الفصل الرابع من سفر التكوين من التوراة المتصدي لخبر هذه القصة ، أسقط منه الجزء المتعلق ببعث الغراب وبحثه في الأرض ، كما أنّ القصة كما هي واردة في التوراة ، صريحة في تجسيم الرب ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ولا ريب أيضا ، أنّ في هذا التقييد إشعارا للنّاس ، بأن يكون تناقلهم للأخبار دقيقا خاليا من التحريف والتشويه والإسقاط أو الإضافات . ويبقى أنّ قصة هابيل وقابيل التي تمثل صراع الخير والشر ، هي أول جريمة تعود إلى فجر التاريخ ، حيث تشكل الإرهاصات الأولى للواقع الاجتماعي وللتجارب النفسية الشخصية . . ، الّتي قد تسهم تعقيداتها في إيجاد الدوافع الذاتية للجريمة . كما تظهر هذه الحادثة التأثيرات التّي يمكن أن تتركها الدعوة الدينية حتّى ولو في صورتها الأولية على الإنسان الفطري الساذج ، لا سيما في بعدها القيمي والأخلاقي . فموقف الأخوين صريح في الكشف عن هذا التأثير سلبا أو إيجابا . فبالرغم من أنّ كليهما ينتميان إلى بيئة اجتماعية ساذجة هي أقرب وألصق بحياة الفطرة والطبيعة حيث لم تتعقد العلاقات على أنواعها ولم تبلغ درجة عالية من التطور ، بحيث إنّ الأثر الاجتماعي ، في ذلك الوقت ، على سلوك الإنسان ، كان لا يزال ضعيفا ، مما يترك هامشا أكبر للنوازع الذاتية على الجوانب الغريزية في الإنسان في التأثير على السلوك الإنساني عموما ، لا سيما إذا ما توفرت الأجواء المناسبة لها ، تماما كما هي الحالة الّتي تكشف
من وحي القرآن — صفحة 128 | السيد محمد حسين فضل الله