الشديد والمصير المهلك الذي لا يجد معه نصيرا . . . ومن يخذل اللَّه فهل له من نصير ؟
ولعلّ في هذا التأكيد على موقع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، إيحاء بأن واقع النفاق الذي يمثل الكفر في الباطن والإيمان في الظاهر ، أكثر خطورة من الكفر الظاهر ، لأن هذا النوع من الاستخفاء بالإيمان الظاهري يمكّن هؤلاء من الدخول إلى قلب المجتمع المسلم للاطلاع على الثغرات الكامنة فيه ، مما يفسح لهم المجال للكيد والدسّ والتخريب بأساليبهم الملتوية التي قد يغفل عنها المسلمون ، لأنهم يتحركون بينهم كجزء من مجتمعهم بحيث لا يشعر المسلمون بالحاجة إلى الحذر منهم ، فيهيّئ لهم ذلك الفرصة الذهبية لإرباك المجتمع الإسلامي في العمق بالفتنة والانحراف والإفساد باسم الإصلاح ، ولذلك كانت خطورتهم تتحرك في خطين ، بينما تتحرك خطورة الكافرين المعلنين للكفر في خط واحد ، هذا بالإضافة إلى ما يدل عليه النفاق من انحطاط الشخصية ، وسقوط الأخلاق ، والنفسية المعقّدة .
ولكن اللَّه يفتح للمنحرفين المنافقين باب التوبة والرجوع إليه والتخلص من المصير المحتوم ؛ فإذا
تابُوا وَأَصْلَحُوا
، فغيروا حياتهم على النهج الذي يحبه اللَّه ويرضاه ،
وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ
، ولم يلجأوا إلى ركن غيره ، واعتبروا الارتباط باللَّه القاعدة التي تحدد لهم علاقاتهم وسلوكهم ومواقعهم في الحياة ،
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
، فلم يحوّلوا الدين إلى سلعة في المزاد ؛ فإن اللَّه سيحشرهم مع المؤمنين الذين يتحركون في طريق الإيمان من موقع الإصلاح في العمل ، والاعتصام باللَّه في جميع الأمور ، وإخلاص الدين له في كل المواقف والتطلعات ، وسيجدون هناك مع المؤمنين الأجر العظيم الذي يؤتيهم اللَّه إياه برحمته ورضاه .