تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤

لا يحب اللَّه الجهر بالسوء من القول

ليس للإنسان الحرية في أن يتكلم بما يحلو له من الكلمات التي تتعلق بأفعال الناس ، مما يوحي بالذم والانتقاص والسوء ، لأن ذلك يجعل الحياة الاجتماعية والفردية خاضعة للانفعالات السلبية الذاتية التي يحس بها الإنسان تجاه الآخرين ، فيسيء إليهم ويحطّم كرامتهم من دون معنى ؛ فيفقدون - على أساس ذلك - الشعور بالثقة والاطمئنان في مثل هذا المجتمع الذي يسمح فيه للأفراد أن يتكلموا بالسوء بما شاؤوا عمن شاؤوا ولمن شاؤوا . . . ولذلك فقد اعتبر الإسلام ذلك منطقة محرمة على الإنسان ، لا يجوز له أن يأخذ حريته فيها . وفي هذا الجو ، كانت الغيبة التي هي « ذكرك أخاك بما يكره في ظهر الغيب » من الكبائر التي توعد اللَّه عليها بإدخال صاحبها النار ، لعلاقتها بالحقوق الإنسانية الإيمانية التي تفرض عليك احترام أخيك في أسراره التي تطّلع عليها صدفة ، فلا تذكرها للآخرين . وهذا ما أرادت الآية أن تؤكد عليه ، لتربطه بالعلاقة الوثيقة باللَّه التي تدعو الإنسان المؤمن إلى أن يحبّ ما يحبه اللَّه ويكره ما يكرهه ، لأن الإخلاص له يعني ذلك في ما يتصل بالأفكار والمشاعر والمواقف ؛ وذلك فحوى قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
، وهو الإعلان به وإظهاره بأية وسيلة من الوسائل .

وقد اختلف المفسرون في تفسير السوء من القول على أقوال :

( أحدها ) : لا يحب اللَّه الشتم في الانتصار . ( ثانيها ) : لا يحب اللَّه الجهر بالدعاء على أحد . ( ثالثها ) : إن المراد لا يحب أن يذمّ أحد أحدا أو يشكوه أو يذكره بالسوء . والظاهر أن الآية شاملة للجميع لصدق الجهر بالسوء على كل هذه الموارد . ولما كان لكل قاعدة استثناء ، جاءت الآية لترخص للمؤمنين المظلومين الذين يعانون من قهر الظّلمة واستبدادهم ، في ما يتعلق بأنفسهم
من وحي القرآن — صفحة 524 | السيد محمد حسين فضل الله