تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ

وتتصاعد أجواء التحذير والتهديد لهؤلاء الذين أوتوا الكتاب ، بعد أن استنفدت أساليب الإقناع والعتاب ، فيأتي النداء حاسما بالاستسلام لدعوات الإيمان التي تحمل في داخلها الحجة المقنعة لهم ؛
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
فهذا الكتاب الذي نزّله اللَّه على محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، جاء مصدقا لما معهم من الكتاب ، ومنسجما مع الأجواء الروحية والفكرية المهيمنة عليه ، مما يدل على وحدة المصدر والطريق والهدف ؛ الأمر الذي يفتح لهم أبواب القناعة ،
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
. فإن لم يفعلوا وساروا في طريق التمرّد والتحدّي ، فإن اللَّه سوف يطمس وجوههم فيردّها على أدبارها ؛ وذلك كناية عن العقاب الذي يغيّر كل ملامحهم ، حتى يتساوى وجه الإنسان مع ظهره . وقد جاء عن بعض المفسرين أن المعنى : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها في ضلالتها ذمّا لها بأنها لا تفلح أبدا ، وقيل : إن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجوه القرود ، وقيل : إن المراد حتى نمحو آثارهم في وجوههم أي نواحيهم التي هم بها ، وهي الحجاز الذي هو مسكنهم ونردّها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جازوا وهو الشام ،
أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ
أو يلعنهم كما لعن أصحاب السبت فيمسخهم قردة وخنازير .
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
في ما يتوعّد به أو يهدّد المنحرفين عنه والمعاندين لرسله ورسالاته . ولقد جعل اللَّه - على نفسه - المغفرة للعاصين والمنحرفين عن هداه ، من خلال رحمته التي وسعت كل شيء ، ليرجعوا إليه ، وليستقيموا في طريقه ، وليبدأوا حياة جديدة في خط الطهر والاستقامة والإيمان ، لأن المعصية قد تنطلق من نزوة ، وقد تتحرك من هفوة ، وقد تعيش في حياة الإنسان نتيجة خطأ أو غرور أو شبهة يلتبس فيها الحق بالباطل ، فيريد اللَّه