للإنسان أن لا يتعقّد أمام هذه الحالات الطارئة فيبتعد عن طريق اللَّه ، وأن يرحم - من خلال ذلك - ضعفه ، ليستعين بذلك على تحويله إلى قوة ، لأن اللَّه الخالق يعرف الطاقات المبدعة التي أودعها فيه ، ويوحي له في كل حالة من حالات الانحراف التي تجمّدت في حياته ، بأن يبدأ بتفجيرها في خط الطهر والخير والاستقامة والإيمان .
ولكن من هو هذا الإنسان الذي يستحق كل هذه العناية والمغفرة والرعاية فيتحقق - من ذلك - كل ما يريده اللَّه للإنسان من نتائج إيجابية في بناء حياته من جديد ؟ إنه الإنسان الذي تنطلق حياته من قاعدة الإيمان باللَّه ، الذي هو سر تجدد الطاقات الإنسانية الروحية المبدعة في حياته ؛ فهو الذي يملأ تفكيره بالخير والسلام ، ويفجر في روحه الإحساس بالنور والانفتاح كلما اقترب الشر من فكره وتحرّك الظلام في روحه ، وهو الذي يجعله يتراجع عن خط الانحراف ، لأنه الميزان الذي يستطيع من خلاله أن يزن كل الأشياء في نفسه وفيمن حوله وما حوله ، ليعرف ما يأخذ وما يدع ، عندما يريد أن يصحح مسار حياته من جديد . أمّا الإنسان الذي يعيش الظلام داخل عقله ، فكرا أسود يعشّش الضلال في آفاقه ، فيغلق عينيه عن الآفاق المنفتحة على النور الذي يكشف أمام الإنسان عن الحقيقة في الأعماق ، ويخنق في روحه الإحساس بالحاجة إلى التفكير الأبيض الناصع الذي يواجه الأشياء بعفوية وبساطة وانفتاح ، فيعقّد الأمور التي لا تعقيد فيها ، ويحمّل الأشياء أكثر من طبيعتها الذاتية ، وهو الإنسان الذي يلتقي باللَّه في فكره وإحساسه ، فلا يدفع ذاته إلى الإيمان به ، بل يهرب من الفكرة في حياته ، فيلحد باللَّه من دون أساس للإلحاد ، أو يشرك به غيره من دون قاعدة فكريّة للشرك ، بل هي الشبهات التي تضج في الفكر والإحساس من غير عمق ولا امتداد ؛ إنها مجرّد عقدة نفسية سوداء ، كما هي العقدة المريضة المتأصّلة في النفوس التي لا تحب النور ولا تؤمن بالخير .
من وحي القرآن — صفحة 293
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٢٩٣