تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

اجتناب الكبائر في طريق المغفرة

في هذه الآية حديث عن وجود كبائر وصغائر في المحرمات الإسلامية ، ودعوة إلى اجتناب كبائرها ، كشرط من شروط المغفرة والرضوان من اللَّه ، باعتبارها مظهرا من مظاهر التوبة الحقيقية التي يعبّر بها الإنسان عن رجوعه إلى اللَّه وعودته إلى رحاب طاعته ، ولكن ، هل معنى ذلك التسامح في ارتكاب الصغائر أو التشجيع على الاستهانة بها ؟ الظاهر أن الآية ليست واردة في هذا السياق ، بل هي واردة في مورد التأكيد على الأساس الذي تنطلق منه التوبة ، لأن ذلك هو الذي يمثّل القاعدة الإيمانية المتحركة في عمق الروحية للإنسان ؛ فإن الاجتناب عن الكبائر ينطلق من إرادة واعية ثابتة للتغيير ، بينما تمثّل الصغائر - غالبا - حالة طارئة يمارسها الإنسان بشكل سريع لا دخل لها بركائزه الفكرية ، ليكون الاجتناب عنها أساسا للتوبة ، فربما تصدر من الإنسان المؤمن الصالح في بعض حالات الغفلة السريعة ، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 201 ] وقوله تعالى :
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
[ النجم : 32 ] من خلال التعبير بكلمة
طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ
و
اللَّمَمَ
بما توحيه الكلمة الأولى من انطلاق الفعل من فكرة تطوف بالإنسان من خارج ثم تذهب ، وما توحيه الكلمة الثانية من اعتبارها شيئا يلمّ به الإنسان وهو في الطريق من دون أن يتوقف عنده . فإن ذلك يعني أن قضية التوبة هي قضية الإرادة المتمثلة باجتناب الكبائر التي تنطلق من خلق أو عادة أو وضع ثابت في حياة الإنسان ، وليست قضية الأشياء الطارئة السريعة التي لا يلمّ بها الإنسان حتى يتركها . وربما كان اجتناب الكبائر مظهرا من مظاهر القدرة على اجتناب