تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
والنفوس ، والأمور الخطيرة ، بل في مطلق المنكرات على قول بعض ، كما أن الظاهر من جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلص به من العذاب ، فكيف يكون منه الجلد والرجم ، وهل ترضى المرأة العاقلة الممسكة في البيت مرفهة الحال أن ترجم وتجلد ؟ وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلا لها ، وإذا كان ذلك سبيلا لها ، فما هو السبيل عليها ؟ وعلى ما تقدم ، فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة ، كما أن المراد بها في الآية الثانية خصوص اللواط ، وسنبين ذلك إن شاء اللَّه تعالى ، وقد يكون المراد منها ما هو أعم من المساحقة والزنى ، وعلى كلا هذين الاحتمالين ، يكون الحكم وجوب إمساك المرأة التي ارتكبت الفاحشة في البيت حتى يفرّج اللَّه عنها ، فيجيز لها الخروج إما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة مرة ثانية ، وإما لسقوط المرأة عن قابلية ارتكاب الفاحشة لكبر سنّها ونحوه ، وإمّا بميلها إلى الزواج وتزويجها برجل يتحفظ عليها ، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة . وهذا الحكم باق مستمر ، وأمّا الجلد أو الرجم ، فهو حكم آخر شرّع لتأديب مرتكبي الفاحشة ، وهو أجنبيّ عن الحكم الأول ، فلا معنى لكونه ناسخا له . وبتعبير آخر : إن الحكم الأول شرّع للتحفّظ عن الوقوع في الفاحشة مرّة أخرى ، والحكم الثاني شرّع للتأديب على الجريمة الأولى وصونا لباقي النساء عن ارتكاب مثلها ، فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الأول بالثاني . نعم ، إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ، ارتفع وجوب الإمساك في البيت لحصول غايته ، وفي ما سوى ذلك ، فالحكم باق ما لم يجعل اللَّه لها سبيلا . وجملة القول : إن المتأمل في معنى الآية لا يجد فيها ما يوهم النسخ ، سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها .
من وحي القرآن — صفحة 143 | السيد محمد حسين فضل الله