تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وهكذا يمكن لهم أن يجدوا فيه القدوة الحسنة من موقع بشريته في خصوصية الملامح الذاتية في محيطه ، فلا مشكلة - من الناحية النفسية - أن يلتقوا بفضائله الأخلاقية وممارساته الروحية ، من حيث هي جهد بشري يمكن للبشر أن يتمثلوه ويقتدوه ويأخذوا به في حياتهم - من ناحية المبدأ - لأن سموّه في نبوته لا يجعل عمله عملا غير خاضع للقدرة البشرية ، بل يجعل تطلعاته وآفاقه الروحية في الدرجة العليا من أجواء الخصوصيات الحية للعمل . ولو كان من نوع آخر - كالملائكة والجنّ - لكان لهم أن يعتذروا عن خط القدوة بأنهم لا يملكون القدرة على القيام بمثل عمله ، لأنهم لا يتميزون بالخصائص الكبرى التي تمنحهم القدرة على مثل هذا العمل أو ذاك .

دور الرسول البشر

فهو الرسول البشر الذي أنزل اللّه عليه وحيه حيث اصطفاه لإبلاغ رسالاته للناس في أمورهم العامة والخاصة ، وللقيام بالمهمّات المحددة في الارتفاع بهم إلى الدرجة العليا من الكمال البشري مما يمكن للبشر أن يبلغوه من درجات الكمال . وهكذا كان دوره :
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ
ليسمعوها ويتعلموها ويقرءوها ويتدبروها في وجدانهم العقلي وإحساسهم الروحي ، ليعرفوا حقائقها من خلال معرفتهم بخصائصها ،
وَيُزَكِّيهِمْ
فيطهّر نفوسهم من الرذائل الفكرية والروحية وينمّي قدراتها في مواقع المعرفة ليتخلصوا من رجس الجهل والتخلف ، ويسير بهم في خط الاستقامة التي تتوازن بها أعمالهم وأقوالهم وعلاقاتهم بالآخرين وبالحياة ، ليكون الرسول - في رسالته - إنسان التغيير الداخلي والخارجي للذين أقبلوا على رسالته في عملية إيمان وانفتحوا عليه في موقف التزام وتقوى ،
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
الذي أنزله اللّه ليكون نورا يضيء لهم الطريق ، وهدى يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السّلام ، ويقودهم إلى الصراط المستقيم الذي
من وحي القرآن — صفحة 364 | السيد محمد حسين فضل الله