أَنَّى
: من أين وكيف ، وهي تستعمل في الحال والمكان ، ولذلك قيل : هو بمعنى أين وكيف لتضمنه معناهما - كما يقول الراغب « 1 » - .
أسلوب تربوي لتعميق المفاهيم
وتستمر الآيات لتعمّق المفاهيم الإسلامية في نفوس المسلمين من خلال معركة أحد ، لأن ذلك من أفضل الوسائل التي اتبعها القرآن في أسلوبه التربوي الذي يرتكز على ملاحقة التجربة ورصد خطواتها العملية ، والتعرف على ملامح الخطأ والصواب فيها ، لمعالجتها من الموقع نفسه ، ليلتقي المسلمون بالمفهوم في حركة الواقع عندهم ، كما هو الحال في هاتين الآيتين اللتين أشارتا إلى التساؤل المرير الذي كان المسلمون يطرحونه بعد الهزيمة : أنّى هذا ؟ وكيف حدثت الهزيمة ؟ ولماذا لم ينتصروا وهم جند اللّه الذين يقاتلون في سبيل اللّه ؟
ولماذا لم ينصرهم اللّه ؟ وكان هذا التساؤل مريرا مرارة الهزيمة . كانوا ينطلقون فيه من مفهوم خاطئ ، وهو أن اللّه يكفل للمسلمين النصر ، وللمؤمنين النجاح ، بعيدا عن كل الظروف الطبيعية التي تفرض النصر والهزيمة ، وذلك بأن يتدخّل اللّه بطريقة مباشرة ، بما يشبه المعجزة ، في آفاق الغيب ، كما أرسل الملائكة في بدر ليكونوا معهم في المعركة . ولكنهم لم يعرفوا المفهوم الصحيح الذي قرّره اللّه في كتابه ، فإن اللّه لم يتعهد للمؤمنين بالنصر والنجاح بطريقة غيبيّة ، بل تعهد لهم بذلك من خلال سننه الحتمية في الكون بالانطلاق إلى الهدف من وسائله ، وإلى المسبّبات من خلال أسبابها ، تماما كما هو الحال في الولادة والوفاة والرزق والغنى والفقر وغير ذلك من الأمور . . . التي تخضع لتخطيط حكيم ينظم الواقع على أساس قانون السببيّة ، الذي قد يتمثل في الأسباب غير المألوفة أو غير المنتظرة .
هامش
( 1 ) ( م . س ) ، ص : 25 .