وقد روي أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم شاور أصحابه يوم بدر في الذهاب إلى قافلة أبي سفيان فقالوا : يا رسول اللّه ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماء لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
[ المائدة : 24 ] ، ولكن نقول : اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون .
وكان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم في تربيته الناس على الشورى يحضهم على التمييز ، في كل مورد يريدون أن يدلوا إليه برأيهم في بعض مسائل الحرب والسلم ، بين ما هو تكليف إلهي شرعي ، وبين ما هو تدبير بشري صادر عن شخص النبي ، ليشيروا عليه بآرائهم فيما لو كان رأيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم رأيا خاصّا . وهذا ما رواه كتّاب السيرة في يوم بدر ،
فقد نزل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في موقع هناك ، كان أدنى ماء من بدر - كما يقولون - فقال الحباب بن المنذر يا رسول اللّه : أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزله اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال : يا رسول اللّه ، ليس هذا بمنزل ، فانهش بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فينزله ثم تفور ما وراءه . . . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : لقد أشرت بالرأي ، وعمل برأيه .
وربما كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقوم بالعمل ليستثير رأي أصحابه بالمناقشة فيه ليفكروا بالرأي البديل ، فيدربهم على التفكير في الأمور ، ويوجه القيادات من بعده إلى الاستماع إلى آراء القاعدة الشعبية في قرارات القيادة ، من أجل تسديد الرأي وتعميق العلاقة بين القيادة والقاعدة على أساس المسؤولية المشتركة في التقرير والتنفيذ ، مع الحفاظ على الموقع القيادي للقيادة ، لأن مسألة الشورى تتحرك في المرحلة التي تسبق القرار الحاسم في الموقف أو في المعركة .
ولا بد لنا من التدقيق في الروايات التي تتحدث عن مشاورة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم للمسلمين من حيث توثيق رواتها ودراسة مضمونها ، لأن بعض هذه الروايات تسيء إلى صورة وعي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم للرسالة وإنسانيته في نظرته إلى الناس ؛ كما جاء في رواية أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم شاور أصحابه في يوم الحديبية في أن