تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
يميل على ذراري المشركين ، فقال له أبو بكر : إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال . فنحن نلاحظ أن هذه الرواية توحي بأن أبا بكر كان أكثر وعيا للمهمة التي جاء المسلمون لتنفيذها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، في الوقت الذي نعرف فيه أن النبي هو الذي قادهم على أساس القيام بالعمرة لا على أساس القتال ، ولذلك لم يجيء مقاتلا في حال استعداد شامل للقتال ، لأنه كان يهيّئ الظروف والأسباب لفتح مكة . ثم كيف يفكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في الإجهاز على الذراري ، في الوقت الذي لم يبدأ فيه القتال مع المشركين المعاندين ؟ ! وكيف يمكن لنا أن نقدم صورة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم الذي يفكر في قتل النساء والأطفال الصغار قبل الدخول في حرب ، في الوقت الذي تتمثل فيه صورة النبي - الإنسان - في القرآن وفي السنة في كل أقواله وأفعاله . وهذا يفرض علينا أن ندرس شخصية الرواة الذين رووا هذه الرواية قبل الأخذ بها ، وندقق في مفرداتها التي لا تتناسب مع صورة النبي الحقيقية الرسالية في إنسانيته وأخلاقيته وحكمته وعدالته ، في النظر إلى الأشياء من مواقع المسؤولية العملية مع الناس . وإذا كنا قد لاحظنا في فهمنا للآية أنها لا تطرح الشورى كقاعدة ملزمة في حركة القيادة ، فإننا نحاول أن نؤكّد أن المسألة تتجاوز أخلاقية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في صفته الإنسانية إلى موقعه في صفته القيادية ، سواء من حيث سلوك القائد مع القاعدة ، أو من حيث مسئوليته في التعرف على آراء الناس الآخرين في حركة القضايا المتصلة بالمسيرة الإسلامية ، لأن الإسلام يرفض استبداد القائد في حركته العامة من الناحية الأخلاقية أو السياسية ، ولهذا فإن الأمر بالمشاورة للناس في هذه الآية ينطلق من الخط العام ، بعيدا عما إذا كان النبي محتاجا لذلك في الواقع الخارجي أو غير محتاج ، مما يعني أن على القائد أن ينفتح على شعبه من خلال الشورى ليكون حكمه منسجما مع الخط الإسلامي العام في هذه القضية الحيوية المهمّة ، وفي غيرها من القضايا الجزئية والكلية في حياة الناس ، لأن المسألة لا تتصل بالجانب الذاتي في شخصيته بل بالجانب العام في