تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
على الأمر كله ، لتطردوها من نفوسكم ، فلا تسقطوا أمامها ولا تتأثروا بها بعيدا عن الخط الإيماني الشعوري والفكري والعملي ، و
لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه وابتعدوا عن وعي الحياة في كل أحداثها المتنوعة في حركة الآلام في واقع الإنسان في مسيرته في الدنيا ، من خلال تعقيداتها الكثيرة وتأثيراتها عليه ، فلم يتعمقوا في معناها من حيث ارتباطها بإرادة اللّه وقدرته وتخطيطه للنظام الكوني والإنساني في سننه في الكون والحياة والإنسان ، بل استغرقوا في الجانب الحسّي المحدود الذي يتطلع إلى الأمور من جانب واحد في الأفق الضيّق ، لا من جميع جوانبها في الأفق الواسع ، وهكذا واجهوا مسألة مصابهم بإخوانهم بهذا المنطق السطحي الانفعالي ، فتحدثوا
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
الذين يلتقون معهم في النسب أو في النوع والخصائص القريبة ، والمراد بقولهم لهم ، هو الحديث عنهم لأجل التعبير عن تمنياتهم لهم بالأخذ بأسباب السلامة والتنديد باقتحامهم أخطار السفر والحرب ، كما لو كانوا أحياء معهم
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
وسافروا فيها وابتعدوا في قطع المسافات الشاسعة للتجارة أو غيرها ،
أَوْ كانُوا غُزًّى
في ساحة المعركة الضارية ضد الأعداء ،
لَوْ كانُوا عِنْدَنا
مقيمين بيننا في حالة الدعة والأمن والاسترخاء والبعد عن مواقع الأخطار
ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
لأن أسباب الحياة متوفرة لدينا ، وعوامل الخطر بعيدة عنّا ، ولذلك امتدت الحياة بنا بكل عناصرها ولذّاتها . وهكذا كانوا يتحدثون بأسلوب المتمني اليائس الحزين الذي يتطلع إلى الأحداث من مواقع انفعاله لا من موقع تفكيره ، ليوجه مشاعره نحو السقوط العاطفي فيتحول ذلك إلى حالة قريبة من اليأس
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
يجترونها في أحاديثهم الانفعالية . واللام هنا للعاقبة ، أي لتكون عاقبة ذلك الحسرة النفسية بدلا من الطمأنينة الروحية في مواجهة البلاء على أسلوب قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] . وفي هذا تحذير للمسلمين أن لا يقولوا مثل هذا القول ، ولا يفكروا بهذه الطريقة ، لأنها تبتعد بالإنسان المؤمن عن عقيدته ، وتملأ بالحسرة نفسه ، فيسقط