المؤمنين لإيمانهم وجهادهم في سبيله ، ويعلم نقاط الضعف الكامنة في نفوسهم والطارئة عليهم ، كما يعلم أنهم في ساعة الضعف لا يبتعدون عنه ، ولكنهم يغفلون عن ذكره بفعل الضغوط الهائلة المسيطرة عليهم ، ولذلك لم يعاجلهم بالعقوبة ، ولم يهملهم أو يكلهم إلى أنفسهم ، بل تعهدهم بفضله بما يثيره في نفوسهم من الرغبة في العودة إليه والتوبة والاندفاع - من جديد - نحو جولة جديدة من الجهاد في موقع جديد ، لأن الهزيمة في موقع معين لا تلغي الإيمان ولا تسقط الإرادة ولا تبتعد بالمؤمن عن اللّه ، لأن الإيمان لا يمثل حالة طارئة ، فينطلق هذا الفضل الإلهي الذي يغمر به اللّه عباده المؤمنين في الحب الإلهي ، لهم لأنهم بادلوه حبا في حركة الإيمان والطاعة ، فبادلهم حبا في إرادة العفو والمغفرة .
من وحي الآية
وهكذا نستوحي من هذه الآية ، أن اللّه - سبحانه - قد يطلق الوعد لعباده بالنصر في مواقف المعركة ، كما يطلق الوعد لهم في أشياء أخرى ، كاستجابة الدعاء عند الدعاء ، وكالمغفرة عند التوبة . . . ولكن لذلك شروطا روحيّة وعملية لا بدّ للإنسان من مراعاتها ودراستها وتنفيذها إذا أراد لهذه الوعود أن تتحقق ، لأنّ اللّه سبحانه يريد لعباده أن يواجهوا الحياة على طريق سننه في الكون ليأخذوا بأسبابها ، فإنه لم يخضع الأمور للمعجزة الخارقة للعادة إلّا في حالات التحدي الكبير ، فلا يستوحش الإنسان إذا دعا ولم يستجب له ، أو تاب ولم يغفر له ، أو انطلق في المعركة فلم يحقق لنفسه النصر . . . ولا يعتقد أو يتساءل كيف لم يتحقق وعد اللّه ؟ ! بل ينبغي له أن يبحث هل أنه راعى في ذلك الشروط الإلهية التي ربط اللّه بها تحقيق وعده أم لا ؟