ووضع كل إنسان منهم أمام مسئوليته ، ليختار - بعد إقامة الحجة عليه - الخط الذي يتجه به إلى الجنة أو الخط الذي يتجه به إلى النار . فإذا عاقبه بانحرافه وظلمه لنفسه فإنه يواجهه بأعلى مواقف العدل ، فإن اللَّه لا يريد ظلما للعالمين ، لأنه العدل الذي تعالى شأنه عن الظلم ، فهو غني عنهم في كل شيء ، فلا حاجة به إلى الظلم الذي لن يحتاجه صاحبه إلا على أساس عقدة داخلية يعاني منها في ذاته . . .
أما في الآية الثانية :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
فإنها تثير الغنى المطلق للّه من جهة ما يمثله ملك القوى والطاقات والأشياء الموجودة في السّموات والأرض مما يجعله مهيمنا على الأمر كله من دون عقدة ضعف أو حاجة ، كما تثير في داخل الإنسان الشعور بعظمة اللَّه في أسلوب تربوي يدفع الإنسان إلى التفكير بالارتباط به ، لأنه مصدر القوّة في كل من حوله وما هو حوله ، فإنه يملك الأمر فيها جميعا ، كما أن مرجع الأمور إليه في المصير في نهاياتها ، كما كانت كذلك في بداياتها .
وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أنه لا يجوز تعليل نفي إرادة الظلم من اللَّه سبحانه بغناه عنه ، لأن ظاهر الآية هو التأكيد على ملكه لما في السّموات والأرض ؛ لأنه إذا كان يملك جميع الأشياء من جميع الجهات ، فله أن يتصرف فيها بما يشاء فلا يتصور في حقه التصرف في ما لا يملكه حتى يكون ظلما وتعديا « 1 » .
ولكننا نلاحظ أن اللَّه تحدث عن الظلم من حيث إنه لا يتناسب مع عظمته ورحمته وانطلاق إرادته من قاعدة الحق ، لأنه ليس بحاجة إليه بالطريقة التي يحتاج فيها الظالمون إلى الظلم على أساس ضعف وعقدة أو خوف أو ما إلى ذلك . . . وليس ظاهرا في الحديث عن عدم تحقيق موضوع الظلم ، باعتبار أنه يتصرف في ملكه ، وعلى ضوء هذا فإن الآية الثانية تعرّضت للملك الشامل
هامش
( 1 ) انظر : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 430 .