تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ما يمثله من صفاء ونقاء وبياض ناصع ؛ وهناك الناس الذين تسودّ وجوههم بما عملوا من شر ، من خلال ما يمثله من سواد وظلمة وقلق ، وذلك هو قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
وهذا تعبير إيحائي عن الحالة الروحية التي تترك تأثيراتها على الصورة البارزة للإنسان من خلال عناصرها الخاصة في الذات ، فإذا كانت الروح منفتحة على الجانب المشرق من النيّات الخيّرة والأعمال الصالحة ، فإن ذلك ينعكس على إشراقة الوجه نورا وإشراقا وبشرا ، لأن هذا الإنسان لا يشكو من عقدة تثقل روحه وتشوّه صورته . وأما إذا كانت الروح منغلقة على الخير ومنفتحة على الشر في الدوافع والأعمال ، فإن الإنسان يبدو من خلالها شيطانا في ملامحه ، معبّرا في وجهه ، مظلما في ذاته . وهذا ما يوحي بالحقيقة الإنسانية في تأثير الواقع الداخلي في صورة الواقع الخارجي للإنسان ، بحيث تتمثل ملامحه الداخلية في ملامحه الخارجية في الصورة تارة ، وفي النظرة العامة لحركته تارة أخرى . وقد عبر اللَّه عن ذلك بطريقة أخرى في صورة المؤمنين يوم القيامة في النور الذي يسعى بين أيديهم وبإيمانهم وذلك هو قوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ
وبإزاء هؤلاء نرى المنافقين والمنافقات غارقين في الظلمة يستجدون النور من المؤمنين والمؤمنات
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
. وتزداد الصورة وضوحا في مواجهة الموقف ، فيبدو لنا هؤلاء الذين اسودّت وجوههم ، فإذا بنا نلمح في أوضاعهم وتقارير أعمالهم وطبيعة السؤال الإنكاري الذي يوجّه إليهم :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
صورة الناس الذين ساروا في خط الإيمان فترة من الزمن ، ولكنهم وقعوا تحت تأثير الضغوط الذاتية من الشهوات والأطماع والأضاليل فانحرفوا عن الخط ، ثم تحوّل انحرافهم إلى مواجهة مضادة للخط نفسه عندما فرضت عليهم ذاتياتهم أن يقاوموه ليرضى عنهم أولياؤهم من الكافرين والضالّين . . . وفي هذا إيحاء دقيق من بعيد بأن على الإنسان أن لا يستسلم للثقة بإيمانه في استرخاء كسول ، يؤمن معه بأنه لا يتزعزع مهما كانت الظروف والضغوط ، بل ينبغي له أن يحرسه بالفكر والتأمل والقراءة والحوار والعمل ، لأن الكثيرين