تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الشمول في ما يريده اللّه لبيته هذا ، كما يوحي به لبقية البيوت ، فقد وضعه اللّه للناس ولم يجعله لفئة دون فئة ، لأنه وضع لعبادة اللّه التي لا يختص بها أحد ، فلا معنى لاختصاصه بأحد معيّن . وقد نستوحي منه أن لا تشيد المساجد لتكون لعائلة معينة أو لجماعة معينة ، بحيث تمنع منها بقيّة العائلات أو الجماعات ، لأن المسجد لم يوضع ليتحدد ، بل ليكون شاملا لكل الناس تبعا لشمولية دوره في أن يكون محلا لعبادة اللّه ربّ العالمين . وقد جعله
مُبارَكاً
والبركة هي الخير الكثير الذي تمتد منه المنافع والمصالح للناس ، مما يعني أن دور المسجد لا يتحدد بالعبادة بل يتسع لكل منافع الناس ، سواء كانت علميّة أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك من الأمور المتصلة بحياة الناس العامّة . وفي ضوء ذلك كان الدور الإسلامي للمسجد هو أن يكون الملتقى الروحي للناس ، فيعبدون اللّه فيه ويتعلمون العلوم النافعة لهم في دينهم ودنياهم ، ويجتمعون فيه للتداول في أمورهم الداخلية والخارجية ، فكانت تنطلق من منابره التوجيهات والتخطيطات المتعلقة بتنظيم حياتهم كما تنطلق منها صيحات الجهاد . وسارت حياة المسلمين في مساجدهم على هذا الخط ، فكانت تجسيدا للمفهوم الإسلامي للعبادة التي تنفتح على اللّه سبحانه ، لينفتح الناس من خلال ذلك على الحياة من مواقعها المضيئة المتحركة في سبيل الخير . وجاءت عصور التخلّف التي جمّدت عقول المسلمين وأفكارهم فتجمّد كل شيء حولهم ، ونالت المساجد حصّة من هذا التجميد ، فإذا بهم ، حكاما وشعوبا ، ينكرون على العالمين والمصلحين أن يتحدثوا في المساجد بغير الشؤون الدينية الخاصة التي تتحدث عن الجنّة والنار والعبادات والأخلاقيات التجريدية . . . فإذا انطلقوا بالحديث إلى ما أمر اللّه به من مقاومة الظلم والانحراف في شؤون الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، اتهموهم بأنهم يستغلون بيوت اللّه لغير الأغراض التي وضعها ، تماما كما هي المعابد لدى اليهود والنصارى كما يزعمون ؛ وأثاروا الثائرة عليهم ، بأنهم يعملون على إدخال
من وحي القرآن — صفحة 162 | السيد محمد حسين فضل الله