الناس بقصده والحج إليه لكل من استطاع إلى ذلك سبيلا ، مما يوحي بأنه محل عناية اللّه ورعايته واهتمامه به ، فلا مانع - من هذه الجهة - أن يحوّل القبلة إليه ، ليتوجه الناس إليه في صلاتهم كما يتوجهون إليه بالقدوم إليه في حجّهم .
ربما تكون هذه الآيات واردة في هذا الجو - كما عن بعض المفسرين - وربما لم تكن كذلك بل كانت واردة في مقام تقرير هذه الحقيقة من ناحية مستقلة ، كمقدّمة للحديث عن تشريع الحج من حيث إن ذلك يلتقي بقيمة هذا البيت في ما استهدفه إبراهيم - بأمر اللّه - من بنائه ، بأن يكون ملتقى للناس من كل مكان لعبادة اللّه وللتعاون في ما بينهم على الخير والتقوى ، وللنفع العميم الذي تمثله كلمة البركة ، وللهدى الذي يمتد منه للعالمين من خلال ما يهتدي به الناس عندهم إلى ما فيه صلاح أمر دنياهم وآخرتهم . وفي ضوء ذلك يمكن أن نتوقف أمام عدة أمور في هذه الآيات من أجل أن تتضح لنا معانيها التفصيلية .
ما معنى أول بيت ؟
1 - إن معنى قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
ليس هو أنه أوّل ما بني على وجه الأرض ، كما قد يتوهمه البعض ، بل المراد به أول بيت وضع للعبادة والهدى والبركة للناس . . . وهذا ما وردت به الرواية
عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام في ما نقله ابن شهرآشوب عنه ، في قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
الآية ، فقال له رجل : أهو أوّل بيت ؟ قال : لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركا ، فيه الهدى والرحمة والبركة . وأوّل من بناه إبراهيم ، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ، ثم هدّم فبنته العمالقة ، ثم هدم فبناه قريش
« 1 » . . .
هامش
( 1 ) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 407 .