تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وهكذا كانت هذه الآية للإيحاء بامتداد الحياة للشهداء الذين يقتلون في سبيل اللّه ، ولكنها تتحرك في أجواء غير الأجواء التي يعيشها الناس في هذه الحياة ، ولذلك فإنهم لا يشعرون بها ولا يتحسسونها ، لأن الإنسان لا يملك الوسائل الحسية التي يمكنه من خلالها أن يدرك طبيعة الحياة الأخرى . وتلتقي هذه الآية بسياق آيات أخرى واردة في موردها ، وهي قوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 169 - 171 ] . فقد نلاحظ أن الاتجاه في هذه الآيات هو إثارة الرغبة في الجهاد في سبيل اللّه ، وذلك من خلال إثارة الإحساس بامتداد الحياة في السير في هذا الطريق بشكل أفضل وأوسع مما في هذه الحياة الدنيا . . . وقد يلاحظ الاختلاف بين آية سورة البقرة وبين آية سورة آل عمران من حيث التركيز هناك على أصل المبدأ وهو الحياة هنا ، بينما كان التركيز هناك على طبيعة الحياة عند اللّه وما فيها من نعيم وفرح وفضل واستبشار . وربما كان السبب في ذلك . ن الآية هنا واردة في سياق الآيات التي تدعو إلى التماسك والصبر ، مما يقتضي مواجهة الحالة النفسية التي يثقلها الشعور بالموت ، بالحالة التي تنفتح أمامها نوافذ الحياة ، تماما كما هي القضية في تبديل صورة قاتمة بصورة مضيئة من دون حاجة إلى الدخول في التفاصيل ، لأن الموضوع الذي يلحّ على النفس هو قضية الظلمة والضياء . . . أما الآية الأخرى ، فقد انطلقت في سياق آيات الجهاد التي كانت تواجه المنافقين الذين كانوا يثيرون نوازع القلق والحيرة والخوف في نفوس المؤمنين المندفعين إلى الجهاد ، ويحشدون أمامهم صورة القاعدين الذين يستمتعون بالحياة في مواجهة صورة المجاهدين الذين استسلموا لظلام العدم ووحشته